تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[ سورة آل عمران ، الآية : 200 ] أعدّوا الخيل وارتبطوها ، وروّضوا النفوس على الشهادة وغبطوها ، فمن خاف الموت رضي بالدنيّة ، ولا بدّ على كلّ حال من المنيّة ، والحياة مع الذّلّ ليست من شيم النفوس السنيّة ، واقتنوا السلاح والعدّة ، وتعرفوا إلى اللّه تعالى في الرّخاء يعرفكم في الشدّة ، واستشعروا القوة بالله تعالى على أعدائه وأعدائكم ، واستميتوا من دون أبنائكم ، وكونوا كالبناء المرصوص لحملات هذا العدوّ النازل بفنائكم ، وحوطوا بالتعويل « 1 » على اللّه تعالى وحده بلادكم ، واشتروا من اللّه جلّ جلاله أولادكم . « ذكروا أنّ امرأة احتمل السبع ولدها وشكت إلى بعض الصالحين ، فأشار عليها بالصدقة ، فتصدّقت برغيف ، فأطلق السبع ولدها ، وسمعت النداء : يا هذه لقمة بلقمة ، وإنّا لما استودعناه لحافظون . واهجروا الشهوات ، واستدركوا البقيّة من بعد الفوات ، وأفضلوا « 2 » لمساكينكم من الأقوات ، واخشعوا لما أنزل اللّه تعالى من الآيات ، وخذوا نفوسكم بالصبر على الأزمات ، والمواساة في المهمّات ، وأيقظوا جفونكم من السّنات ، واعلموا أنكم رضعاء ثدي كلمة التوحيد ، وجيران البلد الغريب والدين الوحيد ، وحزب التمحيص ، ونفر المرام العويص « 3 » ، فتفقّدوا معاملاتكم مع اللّه تعالى ، ومهما لقيتم « 4 » الصدق غالبا ، والقلب للمولى الكريم مراقبا ، وشهاب البنين ثاقبا ، فثقوا بعناية اللّه التي لا يغلبكم معها غالب ، ولا ينالكم لأجلها عدوّ مطالب ، فإنكم في الستر الكثيف ، وكنف الخبير اللطيف ، ومهما رأيتم الخواطر متبدّدة ، والظنون في اللّه متردّدة ، والجهات التي تخاف وترجى متعدّدة ، والغفلة عن اللّه ملامسها متجدّدة ، وعادة دواعي الخذلان دائمة ، وأسواق الشهوات قائمة ، فاعلموا أنّ اللّه تعالى منفّذ فيكم وعده ووعيده في الأمم الغافلين ، وأنكم قد ظلمتم أنفسكم ولا عدوان إلّا على الظالمين ، والتوبة تردّ الشارد إلى اللّه تعالى واللّه يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين ، وهو القائل
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ
[ سورة هود ، الآية : 114 ] . « وما أقرب صلاح الأحوال مع اللّه تعالى إذا صحّت العزائم ، وتوالت على حزب الشيطان الهزائم ، وخملت الدنيا الغريبة في العيون ، وصدقت فيها عند اللّه الظنون
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
[ سورة فاطر ، الآية : 5 ] وثوبوا
هامش
( 1 ) التعويل على اللّه : الاتكال على اللّه . ( 2 ) أفضلوا : أبقوا . ( 3 ) العويص : الصعب . ( 4 ) في ب : « ومهما رأيتم » .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 224 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي