تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦

[ كتاب من إنشاء علي بن لسان الدين عن لسان السلطان الغني بالله ]

وممّا كتبه ابن لسان الدين رحمه اللّه تعالى على لسان سلطانه الغني بالله تعالى والنظر إليهم بعين الشفقة ما صورته : « هذا كتاب كريم أصدرناه بتوفيق اللّه تعالى شارحا للصدور ، مصلحا بإعانة اللّه تعالى للأمور ، ملحفا العدل والإحسان الخاصّة والجمهور ، يعلم من يسمعه أو يقف عليه ، ومن يقرؤه ويتدبّر ما لديه ، ما عاهدنا اللّه تعالى عليه من تأمين النفوس وحقن الدماء ، والسير في التجافي عنها على السّنن السّواء « 1 » ، ورفع التثاور عن البعيد منها والقريب ، والمساواة في العفو والغفران بين البريء منها والمريب ، وحمل من ينظر بعين العدواة في باطن الأمر محمل الحبيب ، وترك ما يتوجّه بأمر المطالبات ، ورفض التبعات ، ممّا لا يعارض حكما شرعيّا ، ولا يناقض سننا في الدين مرعيّا ، فمن كان رهن تبعة أو طريد تهمه ، أو منبوزا في الطاعة بريبة توجب أن نريق دمه ، فقد سحبنا عليه ظلال الأمان وألحفناه أثواب العفو والغفران ، ووعدناه من نفسنا مواعد الرفق والإحسان ، حكما عامّا ، وعفوا تامّا ، فاشيا في جميع الطبقات ، منسحبا على الأصناف المختلفات ، عاملنا في ذلك من يتقبّل الأعمال ، ولا يضيع السؤال ، واستغفرنا عن نفسنا وعمّن أخطأ علينا من رعيّتنا ممّن يدرأ الشرع غلطته ، ويقبل الحقّ فيأته ، من
يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[ سورة النساء ، الآية : 110 ] لما رأينا من سر اتّفاق « 2 » الأهواء والضمائر ، وخلوص القلوب والسرائر ، في هذا الوطن الذي أحاط به العدوّ والبحر ، ومسّه بتقدّم الفتنة الضرّ ، وصلة لما أجراه اللّه تعالى على أيدينا ، وهيأه بنا في نادينا ، فلم يخف ما سكن بنا من نار فتنة ، ورفع من بأس وإحنة « 3 » ، وكشف من ظلمة ، وسدل من نعمة ، وأصفى من مورد عافية ، وأولى من عصمة كافية ، بعد ما تخرّبت الثغور ، وفسدت الأمور ، واهتضم الدين ، واشتدّ على العباد كلب الكافرين المعتدين
ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ
[ سورة يوسف ، الآية : 38 ] فله الحمد دائبا ، والشكر واجبا ، ومن اللّه نسأل أن يتمّم نعمته علينا كما أتمّها على أبوينا من قبل إنّ ربّك حكيم عليم . ونحن قد شرعنا في تعيين من ينوب عنّا من أهل العلم والعدالة ، والدين والجلالة للتطوّف في البلاد الأندلسية ، ومباشرة الأمور بالبلاد النّصرية ، ينهون إلينا ما يستطلعونه ، ويبلغون من المصالح ما يتعرّفونه ، ويقيّدون ما تحتاج إليه الثغور ، وتستوجبه المصلحة الجهادية من الأمور ، ونحن نستعين بفضلاء رعيّتنا وخيارهم ، والمراقبين اللّه تعالى منهم في إيرادهم وإصدارهم ، على إنهاء ما يخفى عنّا من ظلامة تقع ، أو حادث يبتدع ، ومن اتّخذت
هامش
( 1 ) السنن - بفتح السين والنون - الطريق . والسواء : السوي المستقيم . ( 2 ) في ب : « وجوب اتفاق الأهواء » . ( 3 ) الإحنة : الحقد .