فالنظر في هذا المهم خير مشروع ، ولولا اهتمامنا بمرتزقة ديوانكم ، وإعدادنا مال الجباية للمجاهدين من إخوانكم ، لسبقناكم إلى هذه الزّلفة ، وقمنا في هذا العمل الصالح بتحمّل الكلفة ، ومع ذلك فإذا قدناكم إلى الجنّة ببنائه ، وأسهمناكم في فريضة أجره وثنائه ، فنحن إن شاء اللّه تعالى نعيّن له الأوقاف التي تجري عنها المرفقة ، وتتّصل عليه بها الصدقة ، تأصيلا لفخركم ، وإطابة في البلاد لذكركم ، فليشاور أحدكم همّته ودينه ، ويستخدم يساره في طاعة القصد الكريم ويمينه ، ونسأله اللّه تعالى أن يوفّق كلّا لهذا القصد ويعينه ، ومن وراء هذه النصائح عزم ينهيها إلى غايتها ، ويجبر الكافة على اتّباع رأيها ورايتها ، فأعملوا الأفكار فيما تضمنته من الفصول ، وتلقّوا داعي اللّه تعالى فيها بالقبول ، والدنيا مزرعة الآخرة ، وكم معتبر للنفوس الساخرة ، بالعظام الناخرة
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
[ سورة فاطر ، الآية : 5 ] وأنتم اليوم أحقّ الناس بقبول الموعظة نفوسا زكية ، وفهوما لا قاصرة ولا بطيّة ، وموطن جهاد ، ومستسقى غمام من رحمة اللّه تعالى وعهاد « 1 » ، وبقايا السلف بالأرض التي فتحوا فيها هذا الوطن ، وألقوا فيها العطن ، فإلى أين يذهب حسن الظنّ بأديانكم ، وصحة إيمانكم ، وتساوي إسراركم وإعلانكم ؟ اللهمّ إنّا قد خرجنا لك فيهم عن العهدة المتحمّلة ، وبلّغناهم نصيحتك المكملة ، ووعدناهم مع الامتثال رحمتك المؤملة ، فيسّرنا وإياهم لليسرى ، وعرّفنا لطائفك التي خفي فيها المسرى ، ولا تجعلنا ممّن صمّ عن النداء ، وأصبح شماتة الأعداء ، فما ذلّ من استنصر بجنابك ، ولا ضلّ من استبصر بسنّتك وكتابك ، ولا انقطع من توسّل بأسبابك ، واللّه سبحانه يصل لكم عوائد الصنع الجميل ، ويحملكم وإيّانا من التوفيق على أوضح سبيل ، ويصل سعدكم ، ويحرس مجدكم ، والسلام الكريم يخصّكم ورحمة اللّه تعالى وبركاته » ؛ انتهى .
[ من انشاء علي بن لسان الدين أيضا على لسان السلطان ]
ومن ذلك قوله رحمه اللّه تعالى على لسان السلطان بعد كلام :
« اللّه اللّه في الهمم فقد خمدت ريحها ، واللّه اللّه في العقائد فقد خبت « 2 » مصابيحها ، واللّه اللّه في الرجولية فقد فلّ حدّها ، واللّه اللّه في الغيرة فقد تعسّر جدّها ، واللّه اللّه في الدين فقد طمع الكفر في تحويله ، واللّه اللّه في الحريم فقد مدّ إلى استرقاقه يد تأميله ، واللّه اللّه في الملّة التي يريد إطفاء سناها « 3 » ، وقد كمل فضلها وتناهى ، واللّه اللّه في الحريم ، واللّه اللّه في الدين الكريم ، واللّه اللّه في القرآن ، واللّه اللّه في الجيران ، واللّه اللّه في الطارف والتالد ، واللّه اللّه في
هامش
( 1 ) العهاد : المطر .
( 2 ) خبت : خمدت وسكنت وفي ب : « خفيت » .
( 3 ) سناها : ضوءها .