فقال : ما هذا يا فاطمة ؟ فقالت : يا رسول اللّه ، خبزت قرصة وأحببت أن تأكل منها ، فقال : « يا فاطمة ، إما إنه أول طعام دخل جوف أبيك منذ ثلاث » . وكان صلى اللّه عليه وسلم ، يستغفر في اليوم سبعين مرة يلتمس رحماه ، ويقوم وهو مغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر حتى ورمت قدماه ، وكان شأنه الجهاد ، ودأبه الجدّ والاجتهاد ، ومواقف صبره تعرفها الرّبا والوهاد ، ومقامات رفقه تحوم على مراتبها الزهاد ، فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون ؟ وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون ؟ وإذا لم ترضوه باتّباعكم فكيف تعتزون « 1 » إليه وتنتسبون ؟ وإذا لم ترغبوا في الاتّصاف بصفاته غضبا للّه تعالى وجهادا ، وتقلّلا من العرض الأدنى وسهادا ، ففيم ترغبون ؟ فابتروا حبال الآمال فكلّ آت قريب ، واعتبروا بمثلات من تقدّم من أهل البلاد والقواعد فذهولكم عنها غريب ، وتفكّروا في منابرها التي يعلو عليها واعظ وخطيب ، ومطيل ومطيب ، ومساجدها المتعدّدة الصفوف والجماعة ، المعمورة بأنواع الطاعة ، وكيف أخذ اللّه تعالى فيها بذنب المترفين من دونهم ، وعاقب الجمهور بما أغضوا عنه عيونهم « 2 » ، وساءت بالغفلة عن اللّه تعالى عقبى جميعهم ، وذهبت النقمات بعاصيهم ومن داهن في أمره من مطيعهم ، وأصبحت مساجدهم مناصب للصلبان ، واستبدلت مآذنهم بالنواقيس من الآذان ، هذا والناس ناس والزمان زمان . فما هذه الغفلة عمّن إليه الرجعى وإليه المصير ؟ وإلى متى التساهل في حقوقه وهو السميع البصير ؟
وحتى متى مدّ الأمل في الزمن القصير ؟ وإلى متى نسيان اللجإ إلى الولي النصير ؟ قد تداعت الصلبان متراكمة « 3 » عليكم ، وتحرّكت الطواغيت من كلّ جهة إليكم ، أفيخذلكم الشيطان وكتاب اللّه قائم فيكم ؟ وألسنة الآيات تناديكم ، لم تمح « 4 » سطورها ، ولا احتجب نورها ، وأنتم بقايا من فتحها من عدد قليل ، وصابر فيها كلّ خطب جليل ، فو اللّه لو تمحض الإيمان ، ورضي الرحمن ، ما ظهر التثليث في هذه الجزيرة على التوحيد ، ولا عدم الإسلام فيها عادة التأييد ، لكن شمل الداء ، وصمّ النداء ، وعميت الأبصار فكيف الاهتداء ؟ والباب مفتوح ، والفضل ممنوح ، فتعالوا نستغفر اللّه جميعا فهو الغفور الرحيم ، ونستقل مقيل العثار فهو الرؤوف الحليم ، ونصرف الوجوه إلى الاعتراف بما قدمت أيدينا فقبول المعاذير من شأن الكريم ، سدّت الأبواب ، وضعفت الأسباب ، وانقطعت الآمال إلّا منك يا فتّاح يا وهّاب
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ
[ سورة محمد ، الآية : 7 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
[ التوبة : 123 ]
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ سورة آل عمران ، الآية : 139 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا
هامش
( 1 ) تعتزون : تنتسبون .
( 2 ) أغضى عينه : أغمضها .
( 3 ) في ب : « مجلبة » .
( 4 ) في ب : « لم تمتح » .