الوطن الذي توارثه الولد عن الوالد ، اليوم تستأسد النفوس المهينة ، اليوم يستنصر الصبر والسكينة ، اليوم ترعى لهذه المساجد الكرام الذّمم ، اليوم يسلك سبيل العزم والحزم والشدّة والشّمم ، اليوم يرجع إلى اللّه المصرّون ، اليوم يفيق من نوم الغفلة المغترّون ، قبل أن يتفاقم الهول ، ويحقّ القول ، ويسدّ الباب ، ويحيق العذاب ، ويسترق الكفر الرقاب ، فالنساء تقي بأنفسهن أولادهنّ الصغار ، والطيور ترفرف لتحمي الأوكار « 1 » ، إذا أحست العيث بأفراخها والإضرار ، تمرّ الأيام عليكم مرّ السحاب ، وذهاب الليالي لكم ذهاب ، فلا خبر يقضي إلى العين ، ولا حديث في اللّه تعالى يسمع بين اثنين ، ولا كد إلّا لزينة يحلّى بها نحر وجيد ، ولا سعي إلّا متاع « 2 » لا يغني في الشدائد ولا يفيد ، وبالأمس ندبتم إلى التماس رحمي مسخّر السحاب ، واستقالة كاشف العذاب ، وسؤال مرسل الدّيمة ، ومحيي البشر والبهيمة ، وقد أمسكت عليكم رحمة السماء ، واغبرّت جوانبكم المخضرّة احتياجا إلى بلالة الماء
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ سورة الذاريات ، الآية : 22 ] وإليها الأكفّ تمدّون ، وأبوابها بالدعاء تقصدون ، فلم يصحر « 3 » منكم عدد معتبر ، ولا ظهر للإنابة ولا الصّدقة خبر ، وتتوقون « 4 » من إعادة الرغبة إلى الولي الحميد ، والغني الذي
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
[ سورة إبراهيم ، الآية : 19 ] وأيم اللّه لو كان لهوا لارتقبت الساعات ، وضاقت المتّسعات ، وتزاحمت على أنديته الجماعات . أتعزّزا على اللّه وهو القوي العزيز ؟ أتلبيسا على اللّه وهو الذي يميّز الخبيث من الطيب والشّبه من الإبريز « 5 » ؟ أمنابذة « 6 » والنواصي في يديه ؟ أغرورا بالأمل والرجوع بعد إليه ؟
من يبدأ الخلق ثم يعيده ؟ من ينزل الرزق ويفيده ؟ من يرجع إليه في الملمّات ؟ من يرجّى في الشدائد والأزمات ؟ من يوجد في المحيا والممات ؟ أفي اللّه شكّ يختلج القلوب ؟ أثمّ غير اللّه يدفع المكروه وييسّر المطلوب ؟ تفضلون على اللجإ إليه موائد « 7 » الفضل ، ونزه الجهل ، وطائفة منكم قد برزت إلى استسقاء رحمته تمدّ إليه الأيدي والرقاب ، وتستكشف بالخضوع لعظمته العقاب ، وتستعجل إلى مواعيد إجابته الارتقاب ، وكأنكم عن كرمه قد استغنيتم ، أو على الامتناع من الرجوع إليه بنيتم . أما تعلمون كيف كان نبيّكم صلوات اللّه من التبلّغ « 8 » باليسير ، والاستعداد للرحيل إلى دار الحقّ والمسير ، ومداومة الجوع ، وهجر الهجوع ، والعمل على الإياب إلى اللّه تعالى والرجوع : دخلت فاطمة ، رضي اللّه تعالى عنها ، وبيدها كسرة شعير
هامش
( 1 ) الأوكار : جمع وكر : عش الطائر .
( 2 ) في ب : « إلا لمتاع » .
( 3 ) أصحر : سار في الصحراء .
( 4 ) في ب : « وتثوقل » .
( 5 ) الإبريز : الذهب الخالص .
( 6 ) في ب : « أمعاندة » .
( 7 ) في ب : « عوائد الفضل » .
( 8 ) في ب : « عليه من التبلغ » .