تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
ينتهي السّلم ، وينشعب الكلم ، فإن لم تكونوا بناء مرصوصا ، وتستشعروا الصبر عموما وخصوصا ، أصبح الجناح مقصوصا ، والرأي قد سلبته الحيرة ، والمال والحريم قد سلبت فيه الضغانة « 1 » والغيرة ، وإن شاء اللّه تهبّ ريح الحميّة ، ونصرة النفوس على الخيالات الوهميّة ، فإنّ العزّة للّه ولرسوله وللمؤمنين ، واللّه متم نوره على رغم الجاحدين وكره الكافرين ، و
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
[ سورة البقرة ، الآية : 249 ] . واعتقدوا أنّ اللّه تعالى لم يجعل الظهور مقرونا بعدد كثير ، ولو مثل جراد مزرعة أثارها مثير ، بل بإخلاص لا يبقي لغير اللّه افتقارا ، ونفوس توسع ما سوى الحقّ اقتدارا ، ووعد يصدق ، وبصائر أبصارها إلى مثابة الجزاء تحدق ، وهذا الدين ظهر مع الغربة ، وشظف التربة ، فلم ترعه الأكاسرة وفيولها ، والقياصرة وخيولها ، دين حنيف ، وعلم منيف ، من وجوه شطر المسجد الحرام تولى ، وآيات على سبعة أحرف تتلى ، وزكاة من الصميم تنتقى ، ومعارج ترتقى ، وحجّ وجهاد ، ومواسم وأعياد ، ليس إلّا تكبير شهير ، وأذان جهير ، وقوّة تعدّ ، وثغور تسدّ ، وفيء يقسم ، وفخر يرسم ، ونصيحة تهدى ، وأمانة تؤدّى ، وصدقة تخفى وتبدى ، وصدور تشرح وتشفى ، وخلق على خلق القرآن تحذى وتقفى « 2 » ، قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهذا العقد قد سجّل ، والوعد به قد عجّل
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
[ سورة المائدة ، الآية : 3 ] ولا ينقطع لهذا الفرع عادة وصله ، ما دام شبيها بأصله ، وإنما هو حلب لكم زبدته الممخوضة ، وخلاصته الممحوضة ، والعاقبة للمتّقين
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
[ سورة ص ، الآية : 88 ] . وحضرتكم اليوم قاعدة الدين ، وغاب المجاهدين ، وقد اخترعت بنا أيامنا هذه وأيام والدنا المقدّس الآثار الكبار ، والحسنات التي تنوقلت بها الأخبار ، وأغفلت إلى زمنكم الحسنة المذخورة ، والمنقبة المبرورة ، وهي بيمارستان يقيم منكم المرضى المطّرحين ، والضعفاء المغتربين منهم والمعترضين في كلّ حين ، فأنتم تطؤونهم بالأقدام ، على مرّ الأيام ، ينظرون إليكم بالعيون الكليلة ، ويعربون عن الأحوال الذليلة ، وضرورتهم غير خافية ، وما أنتم بأولى منهم بالعافية ، والمجانين تكثر منهم الوقائع ، وتفشو « 3 » منهم إماتة العهد الذائع ، عار تحظره الشرائع ، وفي مثله تسدّ الذرائع . وقد فضلتم أهل مصر وبغداد ، بالرباط الدائم والجهاد ، فلا أقل من المساواة في معنى ، والمنافسة في مبنى ، يذهب عنكم لؤم الجوار ، ويزيل عن وجوهكم سمات العار « 4 » ، ويدلّ على همّتكم ، وفضل شيمتكم ، أهل الأقطار ، وكم نفقة تلفت « 5 » على الرجل في مشروع ، وحرص اعتراه على ممنوع ، فأسرعوا
هامش
( 1 ) في ب : « فيه الضنانة » . ( 2 ) حذا حذوه : اتبع طريق وسلك نهجه . ( 3 ) تفشو : تنتشر . ( 4 ) السمات - بكسر السين - جمع سمة : العلامة . ( 5 ) في ب : « هانت على الرجل » .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 220 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي