تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وعلّموا القرآن صبيانكم ، فهو أسّ المبنى ، وازرعوه في تراب ترائبهم فعسى أن يجنى ، ولا تتركوا النصيحة لمن استنصح ، وردّوا السلام على من بتحية الإسلام أفصح ، وجاهدوا أهواءكم فهي أولى ما جاهدتم ، وأوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم ، وثابروا على حلق العلم والتعلّم ، وحفوا بمراقي التكلّم ، وتعلّموا من دينكم ما لا يسعكم عند اللّه تعالى جهله ، ويتبيّن أنكم أهله ، فمن القبيح أن يقوم أحدكم على وقاية برّه وشعيره ، ورعاية شاته وبعيره ، ولا يقوم على شيء يخلص به قاعدة اعتقاده ، ويعدّه منجاة ليوم معاده ، واللّه عزّ وجلّ يقول ولقوله يرحل المنتجعون
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ سورة المؤمنون ، الآية : 115 ] وائنفوا من الحوادث الشنيعة ، والبدع التي تفتّ في عضد الشريعة ، فقد شنّ علينا الملتبسة « 1 » بأهل التصوّف الغار « 2 » ، ونال حملتها بل جملتها بإغماضهم الصغار ، وتؤوّل المعاد والجنّة والنار ، وإذا لم يغر الرجل على دينه ودين أبيه فعلى من يغار ؟ فالأنبياء الكرام وورثتهم العلماء ، هم أئمة الاقتداء ، والكواكب التي عيّنها الحقّ للاهتداء ، فاحذروا معاطب هذا الداء ، ودسائس هذه الأعداء . وأهم ما صرفتم إليه الوجوه ، واستدفعتم به المكروه ، العمل بأمره جلّ وعلا في الآية المتلوّة ، والحكمة السافرة المجلوّة ، من ارتباط الخيل وإعداد القوّة ، فمن كان ذا سعة في رزقه ، فليقم للّه بما استطاع من حقّه ، وليتّخذ فرسا يعمر محلّته بصهيله ، ويقتنه من أجل اللّه وفي سبيله ، فكم يتحمّل من عيال يلتمس مرضاتهنّ باتخاذ الزينة ، ويتنافس في أن يكون من أشراف المدينة « 3 » ، ومؤونة الارتباط أقلّ ، وعلى الهمّة والدين أدلّ ، إلى ما فيه من حماية الحوزة « 4 » ، وإظهار العزّة ، ومن لم يحسن الرمي فليتدرّب ، وباتّخاذ السلاح إلى اللّه فليتقرّب ، وقبل الرمي تراش السّهام ، وعلى العباد الاجتهاد وعلى اللّه التمام . والسكّة الجارية في حوادث نواديكم ، وأثمان العروض التي بأيديكم ، من حتف حروفها ، ونكّر معروفها ، أو سامح في قبول زيف ، أو مبخوس حيف ، فقد اتّبع هواه ، وخان نفسه وسواه ، قال اللّه عزّ وجلّ
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ( 181 ) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ( 182 ) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
[ سورة الشعراء ، الآية : 181 - 183 ] ولتعلموا أنّ نبيّكم صلوات اللّه عليه إنّما بعثه اللّه مجاهدا وبالحقّ قاضيا ، وعن الهفوات حليما متغاضيا ، فتمسّكوا بحبله ، ولا تعدلوا عن سبله ، يروكم اللّه تعالى من سبله ، ويراعكم من أجله ، مراعاة الرجل لنجله ، فهو الذي يقول
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[ سورة الأنفال ، الآية : 33 ] وإن كان في وطنكم اليوم سعة ، وقد ألحفكم أمن من اللّه تعالى ودعة ، فاحسبوا أنّكم في بلد محصور ، وبين لحيي أسد هصور ، واكتنفكم « 5 » بحر يعبّ عبابه ، ودار بكم سور بيد عدوّكم بابه ، ولا يدري متى
هامش
( 1 ) في ب : « الملبسة » . ( 2 ) في ب : « المغار » . ( 3 ) في ب : « والتنافس في شرف المدينة » . ( 4 ) الحوزة : ما يملكه الإنسان . ( 5 ) في ب : « اكتنفكم » بسقوط الواو .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 219 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي