ومخمصة « 1 » وسهاد ، فأشفقنا أن يجرّكم توالي الرخاء إلى البطر ، أو تحملكم العافية على الغفلة عن اللّه تعالى وهي أخطر الخطر ، أو تجهلوا مواقع فضله تعالى وكرمه ، أو تستعينوا على معصيته بنعمه ، فمن عرف اللّه تعالى في الرخاء وجده في الشّدة ، ومن استعدّ في المهل وجد منفعة العدّة ، والعاقل من لا يغترّ في الحرب أو السلم بطول المدّة ، فالدهر مبلي الجدّة ، ومستوعب العدّة ، والمسلمون إخوانكم اليوم قد شغلوا بأنفسهم عن جبركم ، وسلموا للّه في نصركم ، ونشبت الأيدي ولا حول ولا قوّة إلّا بالله بثغركم ، وأهمتهم فتن تركت رسوم الجهاد خالية خاوية ، ورياض الكتائب الخضر ذابلة ذاوية ، فإن لم تشمّروا لما بين أيديكم في هذه البرهة فماذا تنتظرون ؟ وإذا لم تستنصروا بالله مولاكم فبمن تستنصرون ؟ وإذا لم تستعدّوا في المهل فمتى تستعدّون ؟ لقد خسر من رضي في الدنيا والآخرة بالدون ، فلا تأمنوا مكر اللّه
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
[ سورة الأعراف ، الآية : 99 ] . ومن المنقول عن الملل ، والمشهور في الأواخر والأول ، أنّ المعصية إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم ، وأظلم ما بينهم وبين ربّهم ، وانقطعت عنهم الرحمات ، ووقعت فيهم المثلات « 2 » والنقمات ، وشحّت السماء وغيض الماء ، واستولت الأعداء ، وانتشر الداء ، وجفّت الضّروع ، وأخلفت الرضوع ، فوجب علينا أن نستميلكم بالموعظة الحسنة ، والذكرى التي توقظ من السّنة « 3 » ، ونقرع آذانكم بقوارع الألسنة ، فأفزعوا الشيطان بوعيها ، وتقرّبوا إلى اللّه تعالى برعيها ، الصلاة الصلاة فلا تهملوها ، ووظائفها المعروفة فكمّلوها ، فهي الركن الوثيق ، والعلم الماثل على جادّة الطريق ، والخاصة التي يتميّز بها هذا الفريق ، وبادروا صفوفها الماثلة ، وأتبعوا فريضتها النافلة ، وأشرعوا إلى تاركها أسنّة الإنكار ، واغتنموا بها نواشئ الليل وبوادي الأسحار ، والزكاة أختها المنسوبة ، ولدتها المكتوبة المحسوبة ، فمن منعها فقد بخل على مولاه ، باليسير ممّا أولاه ، وما أحقّه بذهاب هبة الوهّاب وأولاه ، فاشتروا من اللّه تعالى كرائم أموالكم بالصّدقات ، وأنفقوا في سبيله يربحكم أضعاف النفقات ، وواسوا سؤالكم كلّما نصبت الموائد ، وأعيدت للترفّه العوائد ، وارعوا حقّ الجوار ، وخذوا على أيدي الدّعرة « 4 » والفجّار ، وأخرجوا الشّنآن « 5 » من الصدور ، واجعلوا صلة الأرحام من عزم الأمور ، وصونوا عن الاغتياب أفواهكم ، ولا تعوّدوا السفاهة شفاهكم ، وأقرضوا القرض الحسن إلهكم ،
هامش
( 1 ) المخمصة : المجاعة . والسهاد : الأرق .
( 2 ) المثلات : ما أصاب القرون الماضية من العذاب ، واحدها مثلة ، بفتح الميم وضم الثاء المثلثة .
( 3 ) السنة - بكسر السين - النوم .
( 4 ) الدعرة : جمع داعر ، وهو الخبيث . ووقع في ب : « الذعرة » بالذال المعجمة .
( 5 ) الشنآن : البغض والكراهية .