أبي جمعة الوهراني ، وفي نفسي من نسبتها له شيء لأنّ نفس القاضي في البلاغة أعلى من هذه الخطبة ، واللّه تعالى أعلم .
[ خطبة لسعيد بن أحمد المقري عم المؤلف عارض بها خطبة القاضي عياض ]
وكنت رأيت بتلمسان المحروسة بخطّ عمي ومفيدي وليّ اللّه تعالى العارف المعروف بشيخ الشيوخ الإمام المفتي الخطيب سيدي سعيد بن أحمد المقري - صبّ اللّه عليه سجال الرضوان « 1 » ! - خطبة من هذا النمط نصّها :
الحمد للّه الذي افتتح بفاتحة الكتاب سورة البقرة ليصطفي من آل عمران رجالا ونساء وفضّلهم تفضيلا ، ومدّ مائدة أنعامه ورزقه ليعرف أعراف أنفال كرمه وحقّه على أهل التوبة وجعل ليونس في بطن الحوت سبيلا ، ونجّى هودا من كربه وحزنه ، كما خلّص يوسف من سجنه وجبّه ، وسبّح الرعد بحمده ويمنه ، واتّخذ اللّه إبراهيم خليلا ، الذي جعل في حجر الحجر من النحل شرابا نوّع باختلاف ألوانه ، وأوحى إليه بخفّي لطفه سبحانه ، واتّخذ منه كهفا قد شيد بنيانه ، وأرسل روحه « 2 » إلى مريم فتمثّل لها تمثيلا ، وفضّل طه على جميع الأنبياء فأتى بالحج والكتاب المكنون ، حيث دعا إلى الإسلام قد أفلح المؤمنون ، إذ جعل نور الفرقان دليلا ، وصدّق محمدا صلى اللّه عليه وسلم الذي عجزت الشعراء في صدق نعته ، وشهدت النمل بصدق بعثه ، وبين قصص الأنبياء في مدة مكثه ، ونسج العنكبوت عليه في الغار سترا مسدولا ، وملئت قلوب الروم رعبا من هيبته ، وتعلّم لقمان الحكمة من حكمته ، وهدى أهل السجدة للإيمان بدعوته ، وهزم الأحزاب وسباهم وأخذهم أخذا وبيلا ، فلقّبه فاطر السماوات والأرض بياسين كما نفذ حكمه في الصافّات ، وبين صاد صدقه بإظهار المعجزات ، وفرق زمر المشركين وصبر على أقوالهم وهجرهم هجرا جميلا ، فغفر له غافر الذنب ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، وفصلت رقاب المشركين إذ لم يكن أمرهم شورى بينهم وزخرف منار الإسلام وخفي دخان الشرك وخرّت المشركون جاثية كما أنذر أهل الأحقاف فلا يهتدون سبيلا ، وأذلّ الذين كفروا بشدّة القتال وجاء الفتح للمؤمنين والنصر العزيز ، وحجر الحجرات الحريز ، وبقاف القدرة قتل الخرّاصون تقتيلا « 3 » ، كلّم موسى على جبل الطور ، فارتقى نجم محمد صلى اللّه عليه وسلم فاقتربت بطاعته مبادي السرور ، وأوقع الرحمن واقعة الصبح على بساط النور ، فتعجّب الحديد من قوته ، وكثرة المجادلة في أمّته ، إلى أن أعيد في الحشر بأحسن مقيلا ، امتحنه في صفّ الأنبياء وصلّى بهم
هامش
( 1 ) السجال : جمع سجل ، وهو الدلو العظيمة .
( 2 ) الروح : جبريل عليه السلام . وأخذ هذا من قول اللّه تعالى :فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا.
( 3 ) الخراصون : الكذابون ، وفي القرآن الكريم :قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ.