وخزيا وحسرة وندامة ، وأمدّ ياسين صلى اللّه عليه وسلم بتأييد الصافّات فصاد الزمر يوم بدره وأوقع بهم ما أوقع صناديدهم في القليب مكدوس ومكبوب حين شالت بهم النّعامة ، وغفر غافر الذنب وقابل التوب للبدريين رضي اللّه عنهم ما تقدّم وما تأخّر حين فصّلت كلمات اللّه فذلّ من حقّت عليه كلمة العذاب وأيس من السلامة ، ذلك بأن أمرهم شورى بينهم وشغلهم زخرف الآخرة عن دخان الدنيا فجثوا أمام الأحقاف لقتال أعداء محمد صلى اللّه عليه وسلم يمينه وشماله وخلفه وأمامه ، فأعطوا الفتح وبوّئوا حجرات الجنان وحين تلوا
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
[ سورة ق : 1 ] وتدبّروا جواب قسم الذاريات والطّور لاح لهم نجم الحقيقة وانشقّ لهم قمر اليقين فنافروا السآمة ، ذلك بأنهم أمنهم الرحمن إذا وقعت الواقعة واعترف بالضعف لهم الحديد وهزم المجادلون وأخرجوا من ديارهم لأوّل الحشر يخرّبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين حين نافروا السلامة .
أحمده حمد من امتحنته صفوف الجموع في نفق التغابن فطلق الحرمات حين اعتبر الملك وعامه ، وقد سمع صريف « 1 » القلم وكأنه بالحاقة والمعارج يمينه وشماله وخلفه وأمامه ، وقد ناح نوح الجنّ فتزمّل وتدثّر فرقا من يوم القيامة ، وأنس بمرسلات النبأ فنزع العبوس من تحت كور العمامة ، وظهر له بالانفطار التطفيف فانشقّت بروج الطارق بتسبيح الملك الأعلى وغشيته الشهامة ، فو ربّ الفجر والبلد والشمس والليل والضحى لقد انشرحت صدور المتقين ، حين تلوا سورة التين ، وعلق الإيمان بقلوبهم فكلّ على قدر مقامه يبين ، ولم يكونوا بمنفكين دهرهم ليله ونهاره وصيامه وقيامه ، إذا ذكروا الزلزلة ركبوا العاديات ليطفئوا نور القارعة ، ولم يلههم التكاثر حتى تلوا سورة العصر والهمزة وتمثّلوا بأصحاب الفيل فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف أرأيتهم كيف جعلوا على رؤوسهم من الكور عمامة ، فالكوثر مكتوب لهم والكافرون خذلوا وهم نصروا وعدل بهم عن لهب الطامّة ، وبسورة الإخلاص قرّوا وسعدوا وبربّ الفلق والناس استعاذوا فأعيذوا من كلّ حزن وهمّ وغمّ وندامة .
وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله شهادة ننال بها منازل الكرامة ، صلّى اللّه تعالى عليه وعلى آله وأصحابه ما غرّدت في الأيك « 2 » حمامة ؛ انتهت .
وممّن نسبها للقاضي عياض الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن الشيخ أبي العباس أحمد بن
هامش
( 1 ) صريف القلم : صوته .
( 2 ) الأيك : الشجر الملتف .