الحرس على باب الفندق ليحملونا إذا طلع الفجر للقصر « 1 » ، فجاء القيّم فأخبرنا فأدركنا خوف عظيم ، وأيقنّا بالهلاك ، فأخذ أبو العباس في الضحك ولا يبالي ، ثم خلا بنفسه عند السّحر ساعة ثم قال لنا : لا خوف عليكم ، قد استوهبتكم من اللّه تعالى ، وهذان الحرسيان الواقفان غدا يقتلان إن شاء اللّه تعالى ، فقيل له : الجزاء عندك على الأفعال من الخير والشّرّ ، وهما لم يفعلا ما يوجب قتلهما ، بل جزاؤهما يروّعان « 2 » كما روّعانا ، فقال : العلماء ورثة الأنبياء ، وترويعكم عظيم لا يقابله منكم « 3 » إلّا القتل ، فما زلنا نعارضه في ذلك حتى قال : عقوبتهما أن يضرب كلّ واحد منهما مائة سوط ، ثم اجتاز عبد اللّه الخرّاز صاحب الوقت بالجامع الأعظم ، فوجد تابوته « 4 » مفتوحا ، ورأى الحرسيين على قرب ، فلم يشكّ أنها حلّاه « 5 » ، فحملا إلى رحبة القصر قبل طلوع الفجر ، فقال لنا أبو العباس : احضروا على ضربهما كما أراد قتلكم ، فتبعناهما ، وحضرنا حتى ضرب كلّ واحد مائة سوط .
وكراماته ومناقبه كثيرة لا تحصى .
وكان يقول : أصل الخير في الدنيا والآخرة الإحسان ، وأصل الشّرّ فيهما البخل ، قال اللّه تعالى
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى
[ سورة الليل ، الآية : 5 ] الآية وقال عن إبليس
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
[ سورة الأعراف ، الآية : 17 ] الآية وقال
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ
[ سورة التوبة ، الآية : 75 ] الآية وقال
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ سورة الحشر ، الآية : 9 ] وقال
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ
[ سورة القلم ، الآية : 17 ] وقال
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
[ سورة آل عمران ، الآية :
133 ] وقال
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
[ سورة البقرة ، الآية : 177 ] وقال
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ سورة الأحزاب ، الآية : 72 ] الآية فهذه الأمانة هي الرزق ، فأعطت السماوات ما فيها من الماء وهو المطر ، والأرض ما فيها من الماء النازل من الجبال ، والجبال ما فيها كذلك ، وأنبتت الأرض وأبت إمساكها ، فخزن الإنسان جميعها عنده ومنع المساكين إنه كان ظلوما جهولا ، وفي الحديث « هم الأقلّون وربّ الكعبة ، إلّا من قال هكذا وهكذا - الحديث » ولمّا أراد اللّه تعالى إهلاك فرعون وقومه دعا عليهم موسى بالبخل ، فقال
رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ
[ سورة يونس ، الآية : 88 ] إلى قوله :
دَعْوَتُكُما
[ سورة يونس ، الآية : 89 ] وكان رضي اللّه عنه في آخر عمره كثيرا ما يقرأ هذه الآية
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى
[ سورة النجم ، الآية : 33 ] إلى قوله :
سَوْفَ يُرى
[ سورة النجم ، الآية : 40 ] وكان يقول : من قال إنّ اللّه تعالى لا يجازي على الصدقات
هامش
( 1 ) في ب : « للوالي » .
( 2 ) يروعان : يخوفان .
( 3 ) في ب : « منهم » .
( 4 ) في ب : « حانوته » .
( 5 ) في ب : « أنهما حلاه » .