تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
بشيء ، فمن رأى شيئا من متاع الدنيا في نفسه أكبر فلم يحرم « 1 » ولا كبّر ، ومعنى رفع اليدين للتكبير : تخلّيت من كلّ شيء لا قليلا ولا كثيرا ، وهكذا يتكلّم بنحو هذا في جميع العبادات ، ويقول : سرّ الصوم أن تجوع ، فإذا جعت تذكّرت الجائع ، وما يقاسيه من نار الجوع ، فتتصدّق عليه ، فمن صام ولم يعطف على الجائع فكأنه لم يصم ، إلى غير ذلك من كلامه في مثل هذا . وكان إذا أتاه امرؤ يأمره بالصدقة ، ويقول له : تصدّق ، ويتّفق لك ما تريده ، وأخباره في ذلك كثيرة عجيبة . قال التادلي : وحدّثني ولده الفقيه أبو عبد اللّه عن أبيه أنه قال : كان ابتداء أمري وأنا صغير أني سمعت كلام الناس في التوكل ، ففكّرت في دقيقه فرأيت أنه لا يصحّ إلّا بترك شيء ، ولم يكن عندي منه بدّ ، فتركت الأسباب ، واطّرحت العلائق ، ولم تتعلّق نفسي بمخلوق ، فخرجت سائحا متوكّلا ، وسرت نهاري كلّه ، فأجهدني « 2 » الجوع والتعب ، وقد نشأت في رفاهية « 3 » من العيش ، وما مشيت قطّ على قدمي ، فبلغت قرية فيها مسجد ، فتوضّأت ودخلت المسجد فصلّيت المغرب ثم العشاء ، وخرج الناس ، فقمت لأصلّي ، فلم أقدر من شدّة الجوع والتألّم بالمشي ، فصلّيت ركعتين ، وجلست أقرأ القرآن إلى أن مضى جزء من الليل ، فإذا قارع يقرع الباب بعنف ، فاستجاب له صاحب الدار ، فقال له : هل رأيت بقرتي ؟ فقال : لا ، فقال : إنها ضلّت « 4 » ، وقد أكثر عجلها من الحنين فطلبها فلم نجدها في القرية ، فقال أحدهم : لعلّها في المسجد وقت العتمة ، ففتحوا باب المسجد ودخلوا فوجدوني ، فقال صاحب البقرة : ما أظنّك أكلت الليلة شيئا ، فذهب وجاءني بكسرة خبز وقدح لبن ، ثم ذهب ليأتيني بالماء فوجد بقرته في داخل الدار ، فخرج لجيرانه وقال لهم : ما زالت « 5 » البقرة من الدار ، وما كان خروجي إلّا لهذا الفتى الجائع في المسجد ، ثم رغّبني أن أمشي معه لمنزله ، فأبيت . وكان من أول أمره يسكن في الفندق ويعلّم الحساب والنحو ويأخذ الأجرة على ذلك ، وينفقها على طلبة العلم الغرباء ، ويمشي في الأسواق ، ويذكّر الناس ، ويضربهم على ترك الصلاة ، ويأتي بالطعام على رأسه . وبات ليلة عند الطلبة فارتفعت أصواتهم بالمذاكرة ، فإذا بالحرس قد قرعوا باب الفندق ، فقام إليهم القيّم بخدمته ، فقالوا له : ما تعلمون أن من رفع صوته بالليل يقتل ؟ ثم قعد اثنان من
هامش
( 1 ) لم يحرم - لم يدخل في الصلاة . ( 2 ) أجهدني : أتعبني . ( 3 ) الرفاهية : السعة والنعومة . ( 4 ) ضلت : ضاعت . ( 5 ) زالت ، هنا : تحولت .