يصلح مع البكاء ، بل مع الأنس وانشراح الصدر وزوال الانقباض ورفع الخجل ، فقالت : نترك البكاء ونرجع للأنس على ما تحبّ ويوفي غرضك ، فقلت : لا ، حتى أعلم سبب بكائك ، وألححت عليها ، فقالت : أتعرف حاجب الملك الذي سجنه ؟ قلت : نعم ، قالت : فأنا أبنته « 1 » ، ولم يبق له أحد غيري ، وقد سجنه الملك وأخذ أمواله ، فما زلت أبيع ما ترك أبي وأنفقه عليه ، حتى لم يبق بيدي شيء ، فلمّا أعيتني الحيلة فيما أنفقه ألجأت نفسي ووقفت هذا الموقف وأنا بكر ما رأى لي أحد وجها قطّ ، فرميت لها بالألف دينار وقلت لها : واللّه لا قربت منك على هذا الوجه أبدا ، فأنفقي الدنانير على والدك إلى أن تنفد ، وابعثي لي غلامك أعلمه بمنزلي ، ولازمي دارك ، واستمرّي على صيانتك وإلّا فضحتك ، وتريني واللّه لا أزال أبيع أملاكي وأنفقها على والدك حتى أموت أو يفنى كلّ ما أملكه ، ثم خرجت ألتمس الغلام وإذا بجماعة يطلبون البنت ، وقالوا : إن الملك رضي عن والدها ، وردّ عليه ضياعه وأملاكه ، ووصله بعشرة آلاف دينار ، وقعد يلتمس بنته فلم توجد ، فسقط في يد الغلام « 2 » الذي كان مع الدابة ، وظنّ أنّ الأمر على ما جرى بيني وبين البنت ، فبادرته وقلت له : لا عليك ، فتجاهل في خبرها حتى ينصرفوا ، ودخلت إلى البنت وقلت لها : إنّ الملك قد رضي عن والدك ، وردّ عليه ماله ، ووصله ، فسيري إلى دارك ، فركبت دابتها وانصرفت ، فدخلت على والدها فقال لها : أين كنت ؟ وما الذي أخرجك من دارك ؟ وهمّ بها ، فقالت له : أخرج عني كلّ من في الدار ، ففعل ، فأخبرته أمرها مع الشاب من أوله إلى آخره ، ورمت إليه بالألف دينار ، وقالت له : هذا الذي أعطاني لأنفق عليك ، فقال أبوها : هذا واللّه هو الكبريت الأحمر ، واللّه لو كان أبوه كنافا « 3 » ما أنفت أن أزوّجك منه ، فوجّه العبد الذي كان معها إلى الشاب ، وقال له : إنّ سيدي يدعوك ، قال :
فخفت أن يوضع عنده الأمر على غير وجهه ، ثم أقدمت إقدام من علم براءة نفسه ، فدخلت عليه ، فقام إليّ وعانقني ، وقد عرف لي مقامي ، وقال : أما الآن وأنت من أعيان الناس فقد قرّت بك عيني ، وقال : واللّه لو كان أبوك كنافا ما أنفت لبنتي أن أزوجك منها ، فما قام من المجلس حتى وجّه إلى العدول وأشهد على نفسه بأنه زوّج ابنته فلانة من هذا الشاب ، ونقدها عنه الشطر الأول من العشرة آلاف دينار التي وصله بها الملك وأجلّ لها عنه الشطر الثاني ، وأهدى لها من الحلى كذا وكذا ، ومن الثياب كذا وكذا ، حتى أتى على أكثر أملاكه حتى أنفقها على ذلك ، فحصل من إشارة الشيخ السبتي - رضي اللّه عنه ! - في تلك الألف دينار على
هامش
( 1 ) أنا أبنته : أراد : عرفته .
( 2 ) سقط في يده : تحير ولم يدر ما يفعل بعد فشله في أمره .
( 3 ) الكناف : الذي يعمل في الكنف ، أي المراحيض .