وقال ابن الخطيب : وروضته بباب تاغزوت أحد أبواب مراكش غير حافلة البناء ، ربما يتبرّع متبرّع باحتفالها فلا تساعده « 1 » الأقدار ، وزرتها ، فرأيت في داخلها أشياخا من أهل التعفّف والتصوّف يسارقون خفية الناظر إلى مساقط رحمات اللّه تعالى عليها لكثرة زائريها ، فيقتحم « 2 » ذو الحاجة بابها خالعا نعله مستحضرا نيّته ويقعد بإزاء القبر ويخاطبه بحاجته ، ويعين بين يدي النجوى « 3 » صدقة على قبره ، ويدسّها في أواني في القبر معدّة لذلك ، ومن عجز عن النقدين تصدّق بالطعام ونحوه ، فإذا خفّ الزائرون آخر النهار عمد القائم إلى التربة إلى ما أودع هناك في تلك الأواني وفرّقه على المحاويج الحافّين بالروضة ، ويحصون كلّ عشية ، ويعمّهم الرزق المودع فيها ، وإن قصر عنهم كملوه في غده .
قال ابن الخطيب لسان الدين : وترافع خدام الروضة لقاضي البلد ، وتخاصموا في أمر ذلك الرزق المودع هناك ، فسألهم القاضي عن خرجه اليوم ، فقالوا : يحصل في هذه الأيام في اليوم الواحد ثمانمائة مثقال ذهبا عينا ، وربما وصل في بعض الأيام لألف دينار فما فوقها ، فروضة هذا الوليّ ديوان اللّه تعالى في المغرب لا يحصى دخله ولا تحصر جبايته ، فالتبر يفيض ، واللجين يسيل « 4 » ، وذوو الحاجات كالطير تغدو خماصا « 5 » وترجع بطانا « 6 » ، يختصّ برحمته من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم .
وقال : وأنا ممّن جرّب المنقول عن القبر ، فاطّرد القياس ، وتزيّفت الشبهة ، وتعرفت من بدء زيارته ما تحقّقت من بركته ، وشهد على برهان دعوته ؛ انتهى .
وقال الشيخ أبو الحجاج يوسف التادلي في كتابه « التشوّف ، إلى رجال التصوّف » : كان أبو العباس جميل الصورة ، أبيض اللون ، حسن الثياب ، فصيح اللسان ، مقتدرا على الكلام ، حليما ، صبورا ، يحسن إلى من يؤذيه ، ويحلم على من يسفه عليه ، رحيما عطوفا محسنا إلى اليتامى والأرامل ، يجلس حيث أمكنه الجلوس من الطرق والسوق ، ويحضّ على الصدقة ، ويذكر في فضلها آيات وأحاديث ، ويأخذها ويفرقها على المساكين ، ويرد أصول الشرع إلى الصدقة ، ويفسّرها بها ، ويقول : معنى قول المصلّي « اللّه أكبر » أي : من أن نضنّ « 7 » عليه
هامش
( 1 ) في ب : « وربما شاهدت الأقدار » .
( 2 ) يقتحم : يدخل ، يلج .
( 3 ) النجوى : المسارّة . وأصل هذا قوله تعالى :إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً.
( 4 ) التبر : الذهب . واللجين : الفضة .
( 5 ) خماصا : جائعة ، فارغة بطونها .
( 6 ) بطانا : أي مالئة بطنها .
( 7 ) نضن عليه : نبخل .