تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وقال أبو بكر بن مساعد : جاء بعض السلاطين إلى أبي العباس وهو راكب ، وقال له : إلى متى تحيّرنا ولا تصرّح لنا عن الطريق ؟ فقال له : هو الإحسان ، فقال له : بيّن لي ، فقال له : كلّ ما أردت أن يفعله اللّه تعالى معك فافعله مع عبيده . وقال له أبو الحسن الخباز : أما ترى ما فيه الناس من القحط « 1 » والغلاء ؟ فقال : إنما حبس المطر لبخلهم ، فلو تصدّقوا لمطروا ، فقل لأصحابك الفلاحين : تصدّقوا بمثل ما أنفقتم تمطروا ، فقال له : لا يصدقني أحد ، ولكن مرني في خاصة نفسي ، فقال له : تصدّق بمثل ما أنفقت ، فقال له : إنّ اللّه تعالى لا يعامل بالدّين ، ولكن أستسلف ، فاحتال وتصدّق بها كما أمره ، قال : فخرجت إلى البحيرة التي عمرتها والشمس شديدة الحرّ ، فأيست من المطر « 2 » ، ورأيت جميع ما غرست مشرفا على الهلاك « 3 » ، فأقمت ساعة فإذا سحابة أمطرت البحيرة حتى رويت ، وظننت أنّ الدنيا كلّها مطرت ، فخرجت فإذا المطر لم يتجاوزها ؛ انتهى . والحكايات عنه في مثل ذلك كثيرة . وقال ابن الخطيب القسطميني في رحلته : حضرت عند الحاج الصالح الورع الزاهد أبي العباس أحمد بن عاشر بمدينة سلا ، وقد سأله بعض الفقراء عن كرامة الأولياء ، فقال له : لا تنقطع بالموت الكرامة ، انظر إلى السبتي ، يشير إلى الشيخ الفقيه العالم المحقق أبي العباس السبتي المدفون بمراكش ، وما ظهر عند قبره من البركات في قضاء الحاجات بعقب الصدقات ، سمعت يهوديّا بمراكش يلجأ لذكره وينادي باسمه في أمر أصابه مع المسلمين « 4 » ، فسألته عن سببه ، فأخبر أنه وجد بركته في غير موطن ، فسألته عمّا بدا له في وقت ، فقال لي : وحقّ ما أنزل على موسى بن عمران ما أذكر لك إلّا ما اتفق لي ، سريت ليلة مع قافلة في مفازة « 5 » ، فعرجت دابتي ، فما شككت في قتلي وسلب مالي ، فجلست وبكيت ، وبيني وبين الناس بعد ، وقلت : يا سيدي أبا العباس ، خاطرك ، قال لي : واللّه ما أتممت الكلام إلّا وأهل القافلة أصابهم سبب وقفوا به ، وضربت دابتي ، وخفّ عرجها ، ثم زال ، واتّصلت بالناس ، فقلت له : لم لم تسلم ؟ فقال : حتى يريد اللّه تعالى ، وعجبت من كون ذلك من يهودي ، وهذه شهادة من عدوّ في الدين .
هامش
( 1 ) القحط : الجدب . ( 2 ) أيس : يئس ، قنط . ( 3 ) أشرف على الهلاك : قرب منه ودنا . ( 4 ) في ب : « أصابه لا مع المسلمين » . ( 5 ) سريت : سرت ليلا . والمفازة : الصحراء الواسعة التي لا ماء فيها .