تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
تعذّر عليه مطلب في هذه الدار ؟ فقال لي : ما آمر الناس إلّا بما ينتفعون به ، وإني لمّا قرأت القرآن وقعدت بين يدي الشيخ أبي عبد اللّه الفخار تلميذ القاضي عياض ونظرت في كتب الأحكام وبلغت من السنّ عشرين سنة وجدت قوله تعالى
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ سورة النحل ، الآية : 90 ] فتدبرته وقلت : أنا مطلوب « 1 » ، فلم أزل أبحث عنها إلى أن وقفت على أنها نزلت حين آخى النبي صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، وأنهم سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعلمهم حكم المواخاة ، فأمرهم بالمشاطرة « 2 » ، ففهمت أنّ العدل المأمور به في الآية هو المشاطرة ، ثم نظرت إلى حديث « تفترق أمتي على ثلاثين فرقة « 3 » - الحديث » وأنه صلى اللّه عليه وسلم قاله صبيحة اليوم الذي آخى فيه بين المهاجرين والأنصار ، وذكر له الأنصار أنهم شاطروا المهاجرين ، فقال لهم ذلك بأثره ، فعلمت أنّ الذي هو عليه وأصحابه المشاطرة والإيثار ، فعقدت مع اللّه تعالى نيّة أن لا يأتيني شيء إلّا شاطرت فيه الفقراء ، فعملت عليه عشرين سنة ، فأثمر لي الحكم بالخاطر ، فلا أحكم على خاطري بشيء إلّا صدق ، فلمّا أكملت أربعين سنة راجعت تدبّر الآية فوجدت الشطر هو العدل ، والإحسان ما زاد عليه ، فعقدت مع اللّه تعالى نيّة لا يأتيني قليل ولا كثير إلّا أمسكت ثلثه وصرفت الثلثين للّه تعالى ، فعملت عليه عشرين سنة ، فأثمر لي الحكم في الخلق بالولاية والعزل فأولي من شئت ، وأعزل من شئت ، ثم نظرت بعد ذلك في أوّل ما فرضه اللّه تعالى على عباده في مقام الإحسان ، فوجدت شكر النعمة ، بدليل إخراج الفطرة عن المولود قبل أن يفهم ، ووجدت أصناف من تصرف إليهم الصدقات الواجبة سبعة وسبعة أصناف أخر أصرفها فيها للإحسان والزيادة ، وذلك أنّ لنفسك عليك حقّا ، وللزوجة حقّا ، وللرحم حقّا ، ولليتيم حقّا ، وللضيف حقّا ، وذكر صنفين آخرين ، فانتقلت لهذه الدرجة ، وعقدت مع اللّه تعالى عقدا أنّ كلّ ما يأتيني أمسك سبعيه حقّ النفس وحقّ الزوجة وأصرف الخمسة أسباع لمستحقّيها ، فأقمت عليه أربعة عشر عاما ، فأثمر لي الحكم في السماء ، فمتى قلت « يا ربّ » قال لي : لبّيك ، ثم قال لي : إنها نهايتي بتمام عمري ، وهو أن تنقضي لي ستة أعوام تكملة العشرين عاما . قال الصنهاجي : فأرّخت ذلك اليوم ، فلمّا مات وحضرت جنازته تذكّرت التاريخ المكتوب ، وحقّقت العدد ، فنقصت من ستة أعوام ثلاثة أيام خاصة ، فيحتمل أن تكون من الشهور الناقصة ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
هامش
( 1 ) في ب : « أنا مطلوب به » . ( 2 ) المشاطرة : المناصفة ، وهي أن يعطي شطر المال أو نصفه . ( 3 ) كذا في الأصول والمحفوظ « على ثلاث وسبعين فرقة » .