تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
ومبنى أمره على انفعال العالم عن الوجود « 1 » ، وكونه حكمة في تأثير الوجود « 2 » ، له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال باهرة ؛ ولمّا توفي ظهر هذا الأثر على تربته ، وتشبّث بلحده « 3 » ، وانسحب على مكانه عادة حياته ، ووقع الإجماع على تسليم هذه الدعوى ، وتخطّى الناس مباشرة قبره بالصدقة إلى بعثها له من أماكنهم على بعد المدى ، وانقطاع الأماكن القصى ، تحملهم أجنحة نيّاتهم فتهوي إليه بمقاصدهم من كلّ فج عميق ، فيجدون الثمرة المعروفة والكرامة المشهورة . وقال ابن الزيات : كان أبو العباس قد أعطي بسطة في اللسان ، وقدرة على الكلام ، لا يناظره أحد إلّا أفحمه ، ولا يسأله إلّا أجابه ، كأنّ القرآن والحجج على طرف لسانه حاضرة ، يأخذ بمجامع القلوب ، ويسحر العامّة والخاصّة ببيانه ، يأتيه المنكرون للإنكار فما ينصرفون إلّا مسلّمين « 4 » منقادين ، وشأنه كلّه عجيب ، وهو من عجائب الزمان . وحدّثني مشايخنا أنهم سمعوه يقول : أنا القطب . وحدّثني أبو الحسن الصنهاجي من خواصّ خدّامه قال : خرجت معه مرة لصهريج غابة الرمّان يوم عرفة ، فجلسنا هناك وصلّينا ، فقال لي : إنما سمي هذا اليوم يوم عرفة ؛ لانتشار الرحمة فيه لمن تعرّف إليه بالطاعات ، وقد فاتنا عرفة ، فتعال نمثّل بهذا المكان ونعمل كما يعملون « 5 » ، لعلّ اللّه تعالى يتغمّدنا برحمته معهم ، فعمل مكانا دائرا بعين « 6 » الكعبة ، ومحلّ عنصر الماء الحجر ، وموضعا آخر مقام إبراهيم ، فطاف بالعين أسبوعا وأنا أطوف بطوافه ، وكبر على العنصر في كلّ طواف ، وصلّى قبل « 7 » المقام ركعتين تامّتين ، وأطال في سجود الثانية ، ثم استند إلى الشجرة ثم قال لي : يا عليّ ، اذكر كلّ حاجة لك من حوائج دنياك تقض ، فإنّ اللّه تعالى وعد في هذا اليوم من تعرّف له أن يقضي حوائجه ، فقلت له : ما أريد إلّا التوفيق ، فقال لي : ما خرجت معك من باب المدينة حتى وفقت ، فسألته عن حاله من بدايته إلى نهايته ، وبم تنفعل له الأشياء ويستجاب له الدعاء ؟ ولم صار يأمر بالصدقة والإيثار من شكا إليه حالا أو
هامش
( 1 ) في ب : « الجود » وقد جاء في حاشية ب أن الأصول « الوجود » ولكن صححها عن التبنكتي . ( 2 ) في ب : « الجود » وقد جاء في حاشية ب أن الأصول « الوجود » ولكن صححها عن التبنكتي . ( 3 ) بلحده : بقبره . ( 4 ) مسلمين : مذعنين . ( 5 ) هذا العمل مكروه ، بل قال جماعة من علماء الحنفية : هو مكروه تحريما لأن الوقوف والطواف قربتان يجب أن يكونا في مكان بعينه ، فلا يجوز فعلهما في غير ذلك المكان . ولم يثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك . ( 6 ) في ب : « داثرا بالعين » . ( 7 ) في ب : « وصلى في مثل » .