تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
حبيب نأى عنّي وصمّ لأنّتي * وراش سهام البين عمدا فأصماني « 1 »
وقد كان همّ الشّيب ، لا كان ، كافيا * فقد آدني لمّا ترحّل همّان
شرعت له من دمع عيني موردا * فكدّر شربي بالفراق وأظماني
وأرعيته من حسن عهدي جميمه * فأجدب آمالي وأوحش أزماني
حلفت على ما عنده لي من رضا * قياسا بما عندي فأحنث أيماني
وإني على ما نالني منه من قلى * لأشتاق من لقياه نغبة ظمآن
سألت جنوني فيه تقريب عرشه * فقست بجنّ الشوق جنّ سليمان
إذا ما دعا داع من القوم باسمه * وثبت وما استثبتّ شيمة هيمان
وتا اللّه ما أصغيت فيه لعاذل * تحاميته حتى ارعوى وتحاماني
ولا استشعرت نفسي برحمة عاند * تظلّل يوما مثله عبد رحمن
ولا شعرت من قبله بتشوّق * تخلّل منها بين روح وجثمان
أما الشوق فحدّث عن البحر ولا حرج ، وأمّا الصبر فسل به أية درج ، بعد أن تجاوز اللّوى والمنعرج ، لكن الشدّة تعشق الفرج ، والمؤمن ينشق من روح اللّه تعالى الأرج ، وأنّى بالصّبر ، على إبر الدّبر ، لا بل الضرب الهبر ، ومطاولة اليوم والشهر ، حتى حكم القهر ؟ وهل للعين أن تسلو سلوّ المقصر ، عن إنسانها المبصر ، أو تذهل ذهول الزاهد ، عن سرّها الرائي والمشاهد ؟ وفي الجسد بضعة يصلح إذا صلحت ، فكيف حاله إن رحلت عنه ونزحت « 2 » ، وإذا كان الفارق « 3 » هو الحمام الأوّل ، فعلام المعوّل ؟ أعيت مراوضة الفراق ، على الراق ، وكادت لوعة الاشتياق ، أن تفضي إلى السّياق : [ السريع ]
تركتموني بعد تشييعكم * أوسع أمر الصبر عصيانا
أقرع سنّي ندما تارة * وأستميح الدمع أحيانا
وربما تعلّلت بغشيان المعاهد الخالية ، وجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية ، أسأل نون النوى عن أهليه ، وميم الموقد المهجور عن مصطليه ، وثاء الأثافي المثلثة عن منازل الموحّدين ، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين ، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ،
هامش
( 1 ) في ب « حبيب نأى عني وصمم لا يني » . ( 2 ) نزحت : بعدت . ( 3 ) في ب « وإذا كان الفراق هو الحمام الأول » والحمام - بكسر الحاء - الموت .