تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
الوثيق ، لجأ أهله إلى التماس العهود والمواثيق ، وقد غصوا بالريق ، وكاد يذهب بأبصارهم لمعان البريق ، فسكناه من حامية المجاهدين بمن يحمي ذماره ، ويقرّر اعتماره ، واستولى أهل الثغور إلى هذا الحدّ على معاقل كانت مستغلقة ففتحوها ، وشرعوا أرشية الرماح « 1 » إلى قلب قلوبها فنحوها « 2 » . « ولم تكد الجيوش المجاهدة تنفض عن الأعراف متراكم الغبار ، وترخي عن آباط خيلها شدّ حزم المغار ، حتى عاودت النفوس شوقها ، واستتبعت ذوقها ، وخطبت التي لا فوقها ، وذهبت بها الآمال إلى الغاية القاصية ، والمدارك المتصاعبة على الأفكار المتعاصية ، فقصدنا الجزيرة الخضراء باب هذا الوطن الذي منه طرق وادعه ، ومطلع الحق الذي صدع الباطل صادعه ، وثنية الفتح التي برق منها لامعه ، ومشرف الهجوم الذي لم تكن لتعثر على غيره مطامعه ، وفرضة المجاز التي لا تنكر ، ومجمع البحرين في بعض ما يذكر ، حيث يتقارب الشطّان ، ويتوازى الخطّان ، وكاد أن تلتقي حلقتا البطان ، وقد كان الكفر قدّر قدر هذه الفرضة التي طرق منها حماه ، ورماه الفتح الأول بما رماه ، وعلم أن لا تتصل أيدي المسلمين بإخوانهم إلّا من تلقائها ، وأنه لا يعدم المكروه مع بقائها ، فأجلب عليها برجله وخيله « 3 » ، وسدّ أفق البحر بأساطيله ، ومراكب أباطيله ، بقطع ليله ، وتداعى المسلمون بالعدوتين إلى استنقاذها من لهواته ، أو إمساكها من دون مهواته ، فعجز الحول ، ووقع بملكه إياها القول ، واحتازها قهرا ، وقد صابرت الضيق ما يناهز ثلاثين شهرا ، وأطرق الإسلام بعدها إطراق الواجم ، واسودّت الوجوه لخبرها الهاجم ، وبكتها حتى دموع الغيث الساجم « 4 » ، وانقطع المدد إلّا من رحمة من ينفّس الكروب ، ويغري بالإدالة الشروق والغروب ، ولما شكنا بشبا اللّه تعالى نحرها ، وأغصصنا بجيوش الماء وجيوش الأرض تكاثر نجم السماء برّها وبحرها ، ونازلناها نذيقها شديد النزال ، ونجحنا « 5 » بصدق الوعيد في سبيل الاعتزال ، رأينا بأوا « 6 » لا يظاهر إلّا بالله تعالى ولا يطال ، وممنعة يتحاماها الأبطال ، وجنابا روّضه الغيث الهطّال ، أمّا أسواقها فهي التي
هامش
( 1 ) الأرشية : جمع رشاء وهي حبل ، الدلو . وشبه الرمح به كناية عن طوله . ( 2 ) في ب « فمنحوها » . ( 3 ) برجله وخيله : أراد مشاه وفرسانا . ( 4 ) الساجم : سجم الدمع : إذا سال وانصب وسجمت السحابة الماء : أسالته وصبته . ( 5 ) في ب « ونجحها » . ( 6 ) البأو : الكبرياء والفخر . ولا يظاهر : لا يغلب في القوة .