ببشراه بفضل اللّه تعالى أقتاد وأقتاب ، ولكل أجل كتاب - أن يراض صعبها حتى يعود ذلولا ، وتعفّى « 1 » معاهدها الآهلة فتترك طلولا ، فإذا فجع اللّه تعالى بمارج النار طوائفها المارجة ، وأباد بخارجها الطائرة والدارجة ، خطب السيف منها أمّ خارجة ، فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار ومفارق الهضاب بالهشيم قد شابت ، والغلّات المستغلّات قد دعا بها القصل فما ارتابت ، وكأنّ صحيفة نهرها لما أضرمت النار حافي « 2 » ظهرها ذابت ، وحيته فرط « 3 » أمام الحريق فانسابت ، وتخلفت لغمائم الدخان عمائم تلويها برءوس الجبال أيدي الرياح ، وتنشرها بعد الركود أيدي الاجتياح ، وأغريت بأقطارها الشاسعة ، وجهاتها الواسعة ، جنود الجوع ، وتوعّدت بالرجوع ، فسلب أهلها لتوقع الهجوم منزور الهجوع ، فأعلامها خاشعة خاضعة ، وولدانها لثديّ البؤس راضعة ، واللّه سبحانه يوفد بخبر فتحها القريب ركاب البشرى ، وينشر رحمته قبلنا نشرا .
« ثم تنوّعت يا رسول اللّه لهذا العهد أحوال العدوّ تنوّعا يوهم إفاقته من الغمرة « 4 » ، وكادت فتنته تؤذن بخمود الجمرة ، وتوقّع الواقع ، وحذر ذلك السمّ الناقع ، وخيف الخزق الذي يحار فيه الراقع ، فتعرفنا عوائد اللّه سبحانه ببركة هدايتك ، وموصول عنايتك ، فأنزل النصر والسكينة ، ومكّن العقائد المكينة ، فثابت العزائم وهبّت « 5 » ، واطّردت عوائد الإقدام واستتبت ، وما راع العدوّ إلّا خيل اللّه تعالى تجوس خلاله ، وشمس الحق توجب ظلاله ، وهداك الذي هديت يدحض ضلاله ، ونازلنا حصني قنبيل والحائر ، وهما معقلان متجاوران يتناحى منهما الساكن سرارا ، وقد اتّخذا بين النجوم قرارا ، وفصل بينهما حسام النهر يروق غرارا ، والتفّ معصمه في حلّة العصب وقد جعل الجسر سوارا ، فخذل الصليب بذلك الثغر من تولّاه ، وارتفعت أعلام الإسلام بأعلاه ، وتبرّجت عروس الفتح المبين بمجلاه ، والحمد للّه تعالى على ما أولاه .
« ثم تحرّكنا على تفئة « 6 » تعدّي ثغر الموسطة على عدوّه المساور في المضاجع ، ومصبحه بالفاجىء الفاجع ، فنازلنا حصن روطة الآخذ بالكظم ، المعترض بالشّجا اعتراض العظم ، وقد شحنه العدو مددا بئيسا ، ولم يأل اختياره رأيا ولا تلبيسا ، فأعيا داؤه ، واستقلّت بالمدافعة أعداؤه ، ولما أتلع إليه جيد المنجنيق ، وقد برك عليه بروك الفنيق ، وشدّ عصام المنع « 7 »
هامش
( 1 ) تعفى : تمحى معالمها .
( 2 ) في ب « في ظهرها » .
( 3 ) في ب « فرت أمام الحريق » .
( 4 ) الغمرة : الشدة .
( 5 ) ثابت : عادت ورجعت . وهبت : وثبت .
( 6 ) على تفئة : على أثر .
( 7 ) في ب « وشد عصام العزم » .