تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
الأنوار ، وتخلّفت قاعتها عبرة للمعتبرين ، وعظة للنظارين ، وآية للمستبصرين ، ونادى لسان الحمية ، يا لثارات الإسكندرية ، فأسمع آذان المقيمين والمسافرين ، وأحقّ اللّه الحقّ بكلماته وقطع دابر الكافرين . « ثم كانت الحركة إلى أختها الكبرى ، ولدتها الحزينة عليها العبري ، مدينة أبدة ذات العمران المستبحر ، والربض الخرق المصحر ، والمباني الشّمّ الأنوف ، وعقائل المصانع الجمّة الحلي والشنوف ، والغاب الأنوف ، بلدة التجر ، والعسكر المجر ، وأفق الضّلال الفاجر الكاذب على اللّه تعالى الكذب الفجر ، فخذل اللّه تعالى حاميتها التي يعيي الحسبان عدّها ، وسجر بحورها التي لا يرام مدّها ، وحقّت عليها كلمة اللّه تعالى التي لا يستطاع ردّها ، فدخلت لأوّل وهلة ، واستوعب جمّها والمنّة للّه تعالى في نهلة ، ولم يكف السيف من عليها ولا مهلة ، فلمّا تناولها العفا والتخريب ، واستباحها الفتح القريب ، وأسند عن عواليها حديث النصر الحسن الغريب ، وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب ، وأضرعت مسايفها لهول المصاب ، انصرف عنها المسلمون بالفتح الذي عظم صيته ، والعزّ الذي سما طرفه واشرأبّ ليته ، والعزم الذي حمد مسراه ومبيته ، والحمد للّه ناظم الأمر وقد رأب شتيته « 1 » ، وجابر الكسر وقد أفات الجبر مفيته . « ثم كان الغزو إلى أمّ البلاد ، ومثوى الطارف والتلاد ، قرطبة ، وما قرطبة ؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل ، والكرسي الذي بعصاه رعي الهمل ، والمصر الذي له في خطة المعمور الناقة والجمل ، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية « 2 » الحمل ، فخيم الإسلام بعقوتها المستباحة ، وأجاز نهرها المعيي على السّباحة ، وعمّ دوحها الأشب بوارا ، وأدار الكماة « 3 » بسورها سوارا ، وأخذ بمخنّقها حصارا ، وأعمل النصر بشجر نصلها اجتناء ما شاء واهتصارا ، وجدّل من أبطالها من لم يرض انجحارا ، فأعمل إلى المسلمين إصحارا ، حتى فرع بعض جهاتها غلابا جهارا ، ورفعت الأعلام إعلاما بعزّ الإسلام وإظهارا ، فلو لا استهلال الغوادي ، وأن أتى الوادي ، لأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي ، ولقضى تفثه العاكف والبادي « 4 » ، فاقتضى الرأي - ولذنب الزمان في اغتصاب الكفر إياها متاب ، تعمل
هامش
( 1 ) أي جمع شمله وأصلح أموره . ( 2 ) العبشمية : المنسوبة إلى عبد شمس ، نظير هذا قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي :وتضحك مني شيخة عبشمية * كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا( 3 ) في ب « وأدار المحلات » . ( 4 ) التفث : الوسخ : يقال : قضى تفثه : أي أزاله مشيرا إلى قوله تعالى :ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ[ الحج : 39 ] .