تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
أخذت النجد والغور ، واستعدت بخلاء « 1 » الجلاد عن البلاد فارتكبت الدّور ، تحوز بحرا من العمارة ثانيا ، وتشكّك أن يكون الإنس لها بانيا ، وأمّا أبراجها فصفوف وصنوف ، تزيّن صفحات السائف « 2 » منها أنوف ، وآذان لها من دوامغ الصخر شنوف « 3 » ، وأما خندقها فصخر مجلوب ، وسور مقلوب ، فصدقها المسلمون القتال بحسب محلّها من نفوسهم ، واقتران اغتصابها ببوسهم ، وأفول شموسهم ، فرشقوها من النبال بظلال « 4 » تحجب الشمس فلا يشرق سناها ، وعرجوا في المراقي البعيدة لفرعون « 5 » مبناها ، ونفوسها أنقابا ، وحصونها عقابا ، ودخلوا مدينة إلبنة بنتها غلابا ، وأحسبوا السيوف « 6 » استلالا والأيدي اكتسابا ، واستوعب القتل مقاتلتها السابغة الجنن « 7 » ، البالغة المنن ، فأخذهم الهول المتفاهم « 8 » ، وجدّلوا كأنهم الأراقم ، لم تفلت منهم عين تطرف ، ولا لسان يلبي من يستطلع الخبر أو يستشرف . « ثم سمت الهمم الإيمانية إلى المدينة الكبرى فداروا سوارا على سورها ، وتجاسروا على اقتحام أودية الفناء من فوق جسورها ، ودفوا « 9 » إليها بالضّروب ، من حيل الحروب ، بروجا مشيدة ، ومجانيق توثق حبالها منها نشيدة ، وخفقت بنصر اللّه تعالى عذبات الأعلام ، وأهدت الملائكة مدد السلام ، فخذل اللّه تعالى كفّارها ، وأكهم شفارها ، وقلّم بيد قدرته أظفارها ، فالتمسوا الأمان للخروج ، ونزلوا على مراقي العروج ، إلى الأباطح والمروج ، من سمائها ذات البروج ، فكان بروزهم من العراء إلى الأرض ، تذكرة بيوم العرض ، وقد جلّل المقاتلة الصّغار ، وتعلّق بالأمان النساء والصّغار ، وبودرت المدينة بالتطهير ، ونطقت المآذن العالية بالأذان الشهير ، والذكر الجهير ، وطرحت كفّارها التماثيل عن المسجد الكبير ، وأزرى بألسنة « 10 » النواقيس لسان التهليل والتكبير ، وأنزلت عن الصروح أجرامها ، يعيي الهندام مرامها ، وألفي منبر الإسلام بها مجفوّا فأنست غربته ، وأعيد إليه قربه وقربته ، وتلا واعظ الجمع المشهود ،
هامش
( 1 ) في ب « بجدال » . ( 2 ) في ب « المسايف » . والسائف : اسم فاعل من ساف ، إذا شم الدليل التراب ليعرف إذا كان قصده . ( 3 ) الشنوف : جمع شنف ، وهو حلية تلبس في الأذن . ( 4 ) في ب « بظلاله » . ( 5 ) في ب « يفرعون » . ( 6 ) أحسبوا السيوف : زادوا عددها وكثروها . ( 7 ) الجنن : جمع جنة : وهو وما تتقى به الدرع ونحوه . ( 8 ) في ب « المتفاقم » . ( 9 ) في ب « وأدنوا إليها بالضروب » . ( 10 ) أزرى به : قلل من شأنه وعابه .