تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
الأبطال رجل الدّبى « 1 » ، ونبت الوهاد والرّبا ، فأقحموهم من وراء السور ، وأسرعت أقلام الرماح في بسط عددهم المكسور ، وتركت صرعاهم ولائم للنسور ، ثم اقتحموا ربض المدينة الأعظم فافترعوه « 2 » ، وجدّلوا من دافع عن أسواره وصرعوه ، وأكؤس « 3 » الحتوف جرّعوه ، ولم يتّصل أولى الناس بأخراهم ، ويحمد بمخيم النصر العزيز سراهم ، حتى خذل الكافر الصبر وأسلم الجلد ، وأنزل « 4 » على المسلمين النصر فدخل البلد ، وطاح في السيل الجارف الوالد منه والولد ، وأتهم المطرف والمتلد ، فكان هولا بعيد الشناعة ، وبعثا كقيام الساعة ، أعجل المجانيق عن الركوع والسجود ، والسلالم عن مطاولة النجود ، والأيدي عن ردم الخنادق والأغوار ، والأكبش عن مناطحة الأسوار ، والنفوط عن إصعاق الفجار ، وعمد الحديد ، ومعاول البأس الشديد ، عن نقب الأبراج ونقض الأحجار ، فهيلت الكثبان ، وأبيد الشيب والشبان ، وكسرت الصّلبان ، وفجع بهدم الكنائس الرهبان ، وأهبطت النواقيس من مراقيها العالية وصروحها المتعالية ، وخلعت ألسنتها الكاذبة ، ونقل ما استطاعته الأيدي المجاذبة ، وعجزت عن الأسلاب ذوات الظهور ، وجلّل الإسلام شعار العزّ والظهور ، بما خلت عن مثله سوالف الدهور والأعوام والشهور ، وأعرست الشهداء ومنوا « 5 » النفوس المبيعة من اللّه تعالى نحل الصدقات والمهور ، ومن بعد ذلك هدم السور ، ومحيت عن محيطه المحكم السطور ، وكاد يسير ذلك الجبل الذي اقتعدته المدينة ويدك ذلك الطور ، ومن بعد ما خرب الوجار ، عقرت الأشجار ، وعفّر المنار ، وسلطت على بنات التراب والماء النار ، وارتحل عنها المسلمون وقد عمّتها المصائب ، وأصمى لبّتّها السهم الصائب « 6 » ، وجلّلتها القشاعم العصائب « 7 » ، فالذئاب في الليل البهيم تعسل « 8 » ، والضباع من الحدب البعيد تنسل ، وقد ضاقت الجدل عن المخانق ، وبيع العرض الثمين بالدانق ، وسبكت أسورة الأسوار ، وسوّيت الهضاب بالأغوار ، واكتسحت الأحواز القاصية سرايا المغوار ، وحجبت بالدخان مطالع
هامش
( 1 ) الرجل : جماعة الجراد . والدبى : أسراب الجراد . ( 2 ) في ب « ففرعوه » . ( 3 ) في ب « وأكواس » . ( 4 ) في ب « ونزل » . ( 5 ) في ب « ومن النفوس » . ( 6 ) أصمى : أصاب المقتل . واللبة : مكان القلادة ، وهنا أراد العنق . ( 7 ) القشاعم : جمع قشعم : المسن من النسور . ( 8 ) تعسل : عسل الذئب إذا اضطرب في عدوه .