قول منجز الوعود ومورق العود
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ( 101 ) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( 102 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 103 )
[ سورة هود ، الآية : 101 ، 102 ، 103 ] فكان الدمع يغرق الآماق ، والوجد يستأصل الأرماق ، وارتفعت الرغبات ، وعلت السبات ، وجيء بأسرى المسلمين يرسفون في القيود الثقال ، وينسلون من أجداث « 1 » الاعتقال ، ففكّت عن سوقهم أساود الحديد ، وعن أعناقهم فلكات البأس الشديد ، وظلّلوا بجناح اللطف العريض المديد ، وترتّبت في المقاعد الحامية ، وأزهرت بذكر اللّه تعالى المآذن السامية ، وعادت المدينة لأحسن أحوالها ، وسكنت من بعد أهوالها ، وعادت الجالية إلى أموالها ، ورجع إلى القطر شبابه ، وردّ على دار الإسلام بابه ، واتّصلت بأهل لا إله إلّا اللّه أسبابه ، فهي اليوم في بلاد الإسلام قلادة النحر ، وحاضرة البرّ والبحر ، أبقى اللّه تعالى عليها وعلى ما وراءها من بيوت أمتك ، ودائع اللّه تعالى في ذمتك ، بكلمة دينك الصالحة الباقية ! وسدل عليه أستار عصمته الواقية ! وعدنا والصلاة عليك شعار البروز والقفول ، وهجّيرى الشروق والأفول ، والجهاد يا رسول اللّه الشأن المعتمد ، ما امتدّ بالأجل الأمد ، والمستعان الفرد الصمد .
« ولهذا العهد يا رسول اللّه صلّى اللّه عليك ، وبلّغ وسيلتي إليك ، بلغ من هذا القطر المرتدي بجاهك الذي لا يذلّ من ادّرعه ، ولا يضلّ من اهتدى بالسبيل الذي شرعه ، إلى أن لاطفنا ملك الروم بأربعة من البلاد كان الكفر قد اغتصبها ، ورفع التماثيل ببيوت اللّه تعالى ونصبها ، فانجاب عنها بنورك الحلك « 2 » ، ودار بإدالتها « 3 » إلى دعوتك الفلك ، وعاد إلى مكاتبها القرآن الذي نزل به على قلبك الملك ، فوجبت مطالعة مقرّك النبويّ بأحوال هذه الأمّة المكفولة في حجرك ، المفضلة بإدارة تجرك ، المهتدية بأنوار فجرك ، وهل هو إلّا ثمرات سعيك ، ونتائج رعيك ، وبركة حبّك ؟ ورضاك الكفيل برضا ربّك ، وغمام رعدك ، وإنجاز وعدك ، وشعاع من نور سعدك ، وبذر يجنى ريعه من بعدك ، ونصر رأيتك ، وبرهان آيتك ، وأثر حمايتك ورعايتك ؟
واستنبت هذه الرسالة مائحة بحر الندى « 4 » الممنوح ، ومفاتحة باب الهدى بفتح الفتوح ، وفارعة المظاهر والصروح ، وملقية الرحل بمتنزل الملائكة والروح ، لتمدّ إلى قبولك يد استمناح ،
هامش
( 1 ) في ب « من أحداب الاعتقال » .
( 2 ) انجاب : تبدد وانصدع .
( 3 ) الإدالة : النصر والغلبة . ودالت الدولة لفلان أي صارت إليه .
( 4 ) مائحة : طالبة .