تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
وتطير إليك من الشوق الحثيث بجناح ، ثم تقف بموقف الانكسار ، وإن كان تجرها آمنا من الخسار ، وتقدم بأنس القربة ، وتحجم بوحشة الغربة ، وتتأخّر بالهيبة ، وتجهش لطول الغيبة ، وتقول : ارحم بعد داري ، وضعف اقتداري ، وانتزاح أوطاني ، وخلوّ أعطاني ، وقلّة زادي ، وفراغ مزادي ، وتقبّل وسيلة اعترافي ، وتغمّد هفوة اقترافي ، وعجّل بالرضا انصراف متحملي لانصرافي ، فكم جبت من بحر زاخر ، وقفر بالركاب ساخر ، وحاش للّه تعالى أن يخيب قاصدك ، أو تتخطاني مقاصدك ، أو تطردني موائدك ، أو تضيق عني عوائدك ، ثم تمدّ مقتضية مزيد رحمتك ، مستدعية دعاء من حضر من أمّتك ، وأصحبتها يا رسول اللّه عرضا من النواقيس التي كانت بهذه البلاد المفتتحة تعين « 1 » الإقامة والأذان ، وتسمع الأسماع الضالة والآذان ، ممّا قبل الحركة ، وسالم المعركة ، ومكّن من نقله الأيدي المشتركة ، واستحقّ بالقدوم عليك ، والإسلام بين يديك ، السابقة في الأزل البركة ، وما سواها فكانت جبالا عجز عن نقلها الهندام ، فنسخ وجودها الإعدام ، وهي يا رسول اللّه جنى من جنانك ، ورطب من أفنانك ، وأثر ظهر علينا من مسحة حنانك . « هذه هي الحال والانتحال ، والعائق أن تشدّ إليك الرحال ، ويعمل الترحال ، إلى أن نلقاك في عرصات القيامة شفيعا ، ونحلّ بجاهك إن شاء اللّه تعالى محلّا رفيعا ، ونقدّم في زمرة الشهداء الدامية كلومهم من أجلك ، الناهلة غللهم من سجلك « 2 » ، ونبتهل إلى اللّه تعالى الذي أطلعك في سماء الهداية سراجا ، وأعلى لك في السبع الطباق معراجا ، وأم الأنبياء منك بالنبي الخاتم ، وقفّى على آثار نجومها المشرقة بقمرك العاتم ، أن لا يقطع عن هذه الأمة الغريبة أسبابك ، ولا يسدّ في وجوهها أبوابك ، ويوفقها لاتّباع هداك ، ويثبت أقدامها على جهاد عداك ، وكيف تعدم ترفيها ، أو تخشى بخسا وأنت موفّيها ، أو يعذبها الله تعالى وأنت فيها ؟ وصلاة اللّه وسلامه تحطّ بفنائك رحال طيبها ، وتهدر في ناديك شقاشق خطيبها ، ما أذكر الصباح الطّلق هداك ، والغمام السّكب نداك ، وما حنّ مشتاق إلى لثم ضريحك ، وبليت نسمات الأسحار عمّا استرقت من ريحك ، وكتب في كذا » . انتهت الرسالة ، وفيها ما لا خفاء به من براعة لسان الدين ، رحمه اللّه تعالى وقدّس روحه الطاهرة ! آمين . وممّا علق بحفظي من نثره رحمه اللّه تعالى أثناء رسالة في العزاء خاطب بها ملك المغرب قوله بعد كلام : أين مروان بن الحكم ودهاؤه ، وعبد الملك بن مروان وبهاؤه ،
هامش
( 1 ) في ب « تعيق » . ( 2 ) غللهم : جمع غلة وهي حرقة الجوف . والسجل : الدلو .