تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد ، وأذلّوا عزّته بعزة ذي العرش المجيد ، وحفّت به الرايات يسمها وسمك « 1 » ، ويلوح في صفحاتها اسم اللّه تعالى واسمك ، فلا ترى إلّا نفوسا تتزاحم على مورد للشهادة « 2 » أسرابها ، وليوثا يصدق في اللّه تعالى ضرابها ، وأرسل اللّه عليها رجزا إسرائيليا « 3 » من جراد السهام ، تشذ آياته عن الأفهام ، وسدّد إلى الجبل النفوس القابلة للإلهام ، من بعد الاستغلاق والاستبهام ، وقد عبثت جوارح صخوره في قنائص الهام ، وأعيا صعبه على الجيش اللّهام ، فأخذ مسائغه النقض والنقب ، ورغا فوق أهله السّقب « 4 » ، ونصبت المعارج والمراقي ، وقرعت المناكب والتراقي ، واغتنم الصادقون مع اللّه تعالى الحظّ الباقي ، وقال الشهيد السابق : يا فوز استباقي ، ودخل البلد فالتحم « 5 » السيف ، واستلب البحت والزيف ، ثم استخلصت القصبة فعلت أعلامك في أبراجها المشيدة ، وظفر ناشد دينك منها بالنشيدة ، وشكر اللّه تعالى في قصدها مساعي النصائح الرشيدة ، وعمل ما يرضيك يا رسول اللّه في سدّ ثلمها ، وصون مستلمها ، ومداواة ألمها ، حرصا على الاقتداء في مثلها بأعمالك ، والاهتداء بمشكاة كمالك ، ورتب فيها الحماة تشجي العدو ، وتصل في مرضاة اللّه تعالى ومرضاتك برواحها الغدوّ . ثم كان الغزو إلى مدينة إطريرة بنت حاضرة الكفر إشبيلية التي أظلّتها بالجناح الساتر ، وأنامتها في ضمان الأمان للحسام الباتر ، وقد وتر الإسلام من هذه المومسة « 6 » البائسة بوتر الواتر ، وأحفظ منها بأذى الوقاح المهاتر ، لما جرّته على أسراه من عمل الخاتل الخاتر ، حسب المنقول لا بل المتواتر ، فطوى إليها المسلمون المدى النازح ، ولم تشك المطيّ الروازح ، وصدق في الجدّ جدّها المازح ، وخفقت فوق أوكارها أجنحة الأعلام ، وغشيتها أفواج الملائكة الموسومة وظلال الغمام ، وصابت من السهام ودق الرّهام « 7 » ، وكاد يكفي السهام على الأرض ارتجاج أطوادها « 8 » بكلمة الإسلام ، وقد صمّ خاطب عروس الشهادة عن الملام ، وسمح بالعزيز المصون مبايع الملك العلّام ، وتكلّم لسان الحديد الصامت وصمت إلّا بذكر اللّه لسان
هامش
( 1 ) يسم : وسم الشيء : أي جعل عليه سمة وعلامة . والوسم : العلامة والإشارة . ( 2 ) في ب « الشهادة » . ( 3 ) الرجز الإسرائيلي : نسبة إلى بني إسرائيل ، وهو يشير إلى قوله تعالى :فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ[ الأعراف : 132 ] . ( 4 ) السقب : ولد الناقة الذكر ساعة يولد . ( 5 ) في ب « فألحم السيف » . ( 6 ) المومسة : المطروقة والمقصودة وأراد بها مدينة إطريرة التي غزتها جحافل التحرير . ( 7 ) الرهام : جمع رهمة : المطر الضعيف الدائم . ( 8 ) في ب « أجوائها » .