بجاهك القلوب الكسيرة ، وسهّلت المآرب العسيرة ، ورفع بيد العزّة الضّيم ، وكشف بنور البصيرة الغيم ، وظهر القليل على الكثير ، وباء الكفر بخطّة التعثير ، واستوى الدين الحنيف على المهاد الوثير ، فاهتبلنا يا رسول اللّه غرّة العدوّ وانتهزناها ، وشمنا صوارم عزّة الغدوّ وهززناها ، وأزحنا علل الجيوش وجهزناها . فكان ممّا ساعد عليه القدر ، والخطب المبتدر ، والورد الذي حصل بعده الصّدر ، أنّنا عاجلنا مدينة برغه ، وقد جرّعت الأختين ما علقة ورنده ، من مدائن دينك ، ومزابن « 1 » ميادينك ، أكؤس « 2 » الفراق ، وأذكرت مثل من بالعراق ، وسدّت طرق التزاور عن الطّراق ، وأسالت المسيل بالنجيع المراق ، في مراصد المراد والمراق « 3 » ، ومنعت المراسلة مع هذي « 4 » الحمام ، لا بل مع طيف المنام عند الإلمام ، فيسّر اللّه تعالى اقتحامها ، وألحمت بيض الشفار في زرق الكفار إلحامها ، وأزال بشر السيوف من بين تلك الحروف إقحامها ، فانطلق المسرى ، واستبشرت القواعد الحسرى ، وعدمت بطريقها المخيف مصارع الصّرعى ومثاقف الأسرى ، والحمد للّه على فتحه الأسنى ومنحه الأسرى ، ولا إله إلّا هو منفّل قيصر وكسرى ، وفاتح مغلقاتهما المنيعة قسرا ، واستولى الإسلام منها على قرار جنات ، وأم بنات ، وقاعدة حصون ، وشجرة غصون ، طهّرت مساجدها المغتصبة المكرهة ، وفجع بحفظها الفيل الأفيل وأبرهة ، وانطلقت بذكر اللّه الألسنة المدرهة ، وفاز بسبق ميدانها جيادك الفرّهة « 5 » ، هذا وطاغية الروم على توفّر جموعه ، وهول مرثيه ومسموعه ، قريب جواره ، بحيث يتّصل خواره ، وقد حرّك إليها الحنين حواره . ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذي أعيا النطاسيّ علاجه ، وكرك هذا القطر الذي لا تطاول أعلامه ولا تصاول أعلاجه ، وركاب الغارات التي تطوي المراحل إلى مكايدة المسلمين طي البرود ، وحجر الحيّات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود ، ومنغّص الورود في العذب المورود ، ومغضّ « 6 » المضاجع ، وحلم الهاجع ، ومجهّز الخطب الفاجىء الفاجع ، ومستدرك فاتكة الراجع ، قبل هبوب الطائر الساجع ، حصن أشب « 7 » حماه اللّه تعالى دعاء لا خبرا ، كما جعله للمتفكرين في قدرته معتبرا ،
هامش
( 1 ) المزابن : جمع زبون يقال : حرب زبون : أي متلاصقة يدفع بعضها بعضا .
( 2 ) في ب « أكواس » .
( 3 ) المراق : الأصل المراقي : جمع مرقاة : السلم ، ونحوه .
( 4 ) في ب « مع هدير الحمام » .
( 5 ) الفرهة : من الفعل فره : خف ونشط .
( 6 ) في ب « ومقض » .
( 7 ) في ب « أشر » .