تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
« كتبه إليك يا رسول اللّه واليراع تقتضي الهيبة صفرة لونه ، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه ، وورقة الكتاب يخفق فؤادها حرصا على حفظ اسمك الكريم وصونه ، والدمع يقطر فتنقط به الحروف وتفصل الأسطر ، وتوهّم المثول بمثواك المقدّس لا يمرّ بالخاطر سواه ولا يخطر ، عن قلب بالبعد عنك قريح « 1 » ، وجفن بالبكاء جريح ، وتأوّه عن تبريح « 2 » ، كلّما هبّ من أرضك نسيم ريح ، وانكسار ليس له إلّا جبرك « 3 » ، واغتراب لا يؤنس فيه إلّا قربك ، وإن يقض فقبرك ، وكيف لا يسلم في مثلها الأسى ، ويوحش الصباح والمسا ، ويرجف جبل الصبر بعد ما رسا « 4 » ، لولا لعلّ وعسى ، فقد سارت الركبان إليك ولم يقض مسير ، وحومت الأسراب عليك والجناح كسير ، ووعدت الآمال فأخلفت ، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت ، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأثيل « 5 » ، إلّا على التمثيل ، ولا من المعالم الملتمسة التنوير ، إلّا على التصوير ، مهبط وحي اللّه تعالى ومتنزل أسمائه ، ومتردّد ملائكة سمائه ، ومدافن أوليائه ، وملاحد « 6 » أصحاب خيرة أنبيائه ، رزقني اللّه تعالى الرضا بقضائه ، والصّبر على جاحم البعد ورمضائه . من حمراء غرناطة حرسها اللّه تعالى دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك ، ومسحبة رجلك يا رسول اللّه وخيلك ، وأنأى مطارح دعوتك ومساحب ذيلك ، حيث مصافّ الجهاد في سبيل اللّه وسبيلك قد ظلّلها القتام ، وشهبان الأسنّة أطلعها منه الإعتام ، وأسواق بيع النفوس من اللّه تعالى قد تعدّد بها الأيامى والأيتام ، حيث الجراح قد تحلّت بعسجد « 7 » نجيعها النحور ، والشهداء تحفّ بها الحور ، والأمم الغريبة قد قطعها عن المدد البحور ، حيث المباسم المفترّة ، تجلوها المصارع البرّة ، فتحييها بالعراء ثغور الأزاهر ، وتندبها صوادح الأدواح برنّات تلك المزاهر ، وتحمل « 8 » السحاب أشلاءها المعطّلة من ظلّها بالجواهر ، وحيث الإسلام من عدوّه المكايد بمنزلة قطرة من عارض غمام ، وحصاة من ثبير أو شمام « 9 » ، وقد سدّت الطريق ، وأسلم الفراق الفريق ، وأغصّ الريق ، ويئس من الساحل الغريق ، إلّا أنّ الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل اللّه تعالى وحبلك ، المهتدية بأدلّة سبلك ، سالم والحمد للّه تعالى من الانصداع ، محروس بفضل اللّه تعالى من الابتداع ، مقدود من جديد الملّة ، معدوم فيه وجود الطوائف المضلّة ، إلّا ما يخصّ الكفر من هذه العلّة ،
هامش
( 1 ) قريح : جريح . ( 2 ) التبريح : الإجهاد . ( 3 ) الجبر : إصلاح العظم . ( 4 ) رسا : ثبت . ( 5 ) الأثيل : الأصيل . ( 6 ) ملاحد : جمع لحد ، أي القبر . ( 7 ) العسجد : الذهب . ( 8 ) في ب « وتحلي » . ( 9 ) ثبير وشمام : جبلان .