تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وقد كنت بالمغرب نويت أن أجمع في شأنها كتابا ممتعا أسمّيه ب « أنواء نيسان ، في أنباء تلمسان » وكتبت بعضه ، ثم حالت بيني وبين ذلك العزم الأقدار ، وارتحلت منها إلى حضرة فاس حيث ملك الأشراف ممتدّ الرّواق ، فشغلت بأمور الإمامة والفتوى والخطابة وغيرها ، ثم ارتحلت بنيّة الحجاز ، وجعلت إلى الحقيقة المجاز ، وها أنا ذا إلى الآن في البلاد المصرية ، وفي علم اللّه تعالى ما لا نعلم ، والتسليم لأحكام الأقدار أسلم ، واللّه تعالى يختم لنا بالحسنى بجاه نبيّه ومصطفاه صلّى اللّه عليه وسلم . وبها ولدت أنا وأبي وجدّي وجدّ جدّي ، وقرأت بها ونشأت إلى أن ارتحلت عنها في زمن الشبيبة إلى مدينة فاس سنة تسع وألف ، ثم رجعت إليها آخر عام عشرة وألف ، ثم عاودت الرجوع إلى فاس سنة ثلاث عشرة وألف ، إلى أن ارتحلت عنها للمشرق أواخر رمضان سنة سبع وعشرين وألف ، ودخلت مصر برجب من عام ثمانية وعشرين وألف ، والشام بشعبان عام سبعة وثلاثين وألف ، وأبت منها إلى مصر أواخر شوّال من العام ، وشرعت في هذا المؤلّف بالقعدة من العام .

[ المقري مؤلف الكتاب يتحدث عن تقلباته في البلاد وتواريخها وترجمة أبي مدين ]

وقد تخرّج بتلمسان من العلماء والصلحاء ما لا ينضبط ، ويكفيها افتخارا دفن وليّ اللّه سيدي أبي مدين بها ، وهو شعيب بن الحسين الأندلسي ، شيخ المشايخ ، وسيّد العارفين ، وقدوة السالكين ؛ قال الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن التلمساني في كتابه « النجم الثاقب ، فيما لأولياء اللّه تعالى من المناقب » : كان الشيخ سيدي أبو مدين فردا من أفراد الرجال ، وصدرا من صدور الأولياء الأبدال ، جمع اللّه له علم الشريعة والحقيقة ، وأقامه ركن الوجود هاديا وداعيا للحقّ ، فقصد بالزيارة من جميع الأقطار ، واشتهر بشيخ المشايخ ، وذكر التادلي وغيره أنه خرج على يده ألف شيخ من الأولياء أولي الكرامات ، وقال أبو الصبر كبير مشايخ وقته : كان أبو مدين زاهدا فاضلا عارفا بالله تعالى ، خاض بحار الأحوال ، ونال أسرار المعارف ، خصوصا مقام التوكّل ، لا يشق غباره « 1 » ، ولا تجهل آثاره ، قال التادلي : كان مبسوطا بالعلم ، مقبوضا بالمراقبة ، كثير الالتفات بقلبه إلى اللّه تعالى حتى ختم له بذلك ، أخبرني من شهد وفاته أنه رآه في آخر الرمق يقول : اللّه الحق . وكان من أعلام العلماء ، وحفّاظ الحديث ، خصوصا جامع الترمذي ، وكان يقوم عليه ، ورواه عن شيوخه عن أبي ذرّ ، وكان يلازم كتاب « الإحياء » ويعكف عليه ، وترد عليه الفتاوى في مذهب مالك فيجيب عنها في الوقت ، وله مجلس وعظ يتكلّم
هامش
( 1 ) لا يشق غباره : لا يلحق ولا يدرك ، وأصله أن الفرس السريع إذا سار أثار غبار الأرض ، فإذا كانت الخيل التي تجري وراءه لا تشق غباره فهي لا تدركه .