برّي وبحري ، فالمقرب من كان به عليما ، ولا يسمو « 1 » إلّا من أوتي قلبا سليما ، الذي يسلم ممّا سواه ، ولا يكون في الوعاء إلّا ما جعل فيه مولاه ، فقلب العارف يسرح في الملكوت بلا شك
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ سورة النمل ، الآية : 88 ] .
وسئل عن الحياء ، فقال : أوّله دوام الذكر ، وأوسطه الأنس بالمذكور ، وأعلاه أن لا ترى شيئا سواه .
واختلف أهل مجلسه : هل الخضر « 2 » وليّ أم نبيّ ؟ فرأى رجل صالح منهم معروف بالولاية النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم تلك الليلة فقال صلّى اللّه عليه وسلم : الخضر نبي ، وأبو مدين ولي .
وذكر التادلي وغيره أنّ رجلا جاءه ليعترض عليه ، فجلس في الحلقة ، فأخذ صاحب الدولة في القراءة ، فقال له أبو مدين : أمهل قليلا ، ثم التفت للرجل ، وقال له : لم جئت ؟
فقال : لأقتبس من نورك ، فقال له : ما الذي في كمك ؟ قال له : مصحف ، فقال له : افتحه واقرأ في أوّل سطر يخرج لك ، ففتحه وقرأ أوّل سطر فإذا فيه
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ
[ سورة الأعراف ، الآية : 92 ] فقال له أبو مدين : أما يكفيك هذا ؟ فاعترف الرجل ، وتاب ، وصلح حاله .
وذكر صاحب « الروض » عن الشيخ الزاهد أبي محمد عبد الرزاق أحد خواصّ أصحابه قال : مرّ شيخنا أبو مدين في بعض بلاد المغرب ، فرأى أسدا افترس حمارا وهو يأكله ، وصاحبه جالس بالبعد على غاية الحاجة والفاقة « 3 » ، فجاء أبو مدين وأخذ بناصيه الأسد « 4 » ، وقال لصاحب الحمار : أمسك الأسد [ واذهب به ] « 5 » واستعمله في الخدمة موضع حمارك ، فقال له : يا سيدي أخاف منه ، فقال : لا تخف ، لا يستطيع أن يؤذيك ، فمرّ الرجل يقوده والناس ينظرون إليه ، فلمّا كان آخر النهار جاء الرجل ومعه الأسد للشيخ وقال له : يا سيدي ، هذا الأسد يتبعني حيث ذهبت ، وأنا شديد الخوف منه ، لا طاقة لي بعشرته ، فقال الشيخ للأسد : اذهب ولا تعد ، ومتى آذيتم بني آدم سلطتهم عليكم .
ومن مشهور كراماته أنه كان ماشيا يوما على ساحل ، فأسره العدوّ ، وجعلوه في سفينة فيها جماع من أسرى المسلمين ، فلمّا استقرّ في السفينة توقّفت عن السير ، ولم تتحرّك من
هامش
( 1 ) لا يسمو : لا يرتفع ويعلو قدره .
( 2 ) هو الرجل الصالح صاحب موسى عليه السلام من قوله تعالى :فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا[ الكهف : 65 ] .
( 3 ) الفاقة : الفقر .
( 4 ) ناصيته : مقدم رأسه .
( 5 ) ما بين حاصرتين ساقط من ب .