تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
طريقك الأسد فلا يرعك « 1 » فإن غلب خوفه عليك فقل له : بحرمة يد نور إلّا انصرفت عني ، فكان الأمر كما قال ، فتوجّه الشيخ أبو مدين للشرق وأنوار الولاية عليه ظاهرة ، فأخذ عن العلماء ، واستفاد من الزهاد والأولياء ، وتعرّف في عرفة بالشيخ سيدي عبد القادر الكيلاني ، فقرأ عليه في الحرم الشريف كثيرا من الحديث ، وألبسه خرقة الصوفية ، وأودعه كثيرا من أسراره ، وحلاه بملابس أنواره ، فكان أبو مدين يفتخر بصحبته ، ويعدّه أفضل مشايخه الأكابر . وعن بعض الأولياء قال : رأيت في النوم قائلا يقول : قل لأبي مدين : بثّ « 2 » العلم ولا تبال ، ترتع غدا مع العوالي ، فإنك في مقام آدم أبي الذراري ، فقصصتها عليه فقال لي : عزمت على الخروج للجبال والفيافي « 3 » حتى أبعد عن العمران ، ورؤياك هذه تعدل بي عن هذا العزم ، وتأمرني بالجلوس ، فقولك « ترتع غدا مع العوالي » إشارة لحديث « حلق الذكر مراتع أهل الجنّة » ، والعوالي : أصحاب عليين ، ومعنى قوله « أبي الذراري » أنّ آدم أعطي قوّة على النكاح وأمر به ، ولم يجعل له قوّة على كون ذرّيّته مطيعين مؤمنين ، وكذا نحن أعطانا اللّه العلم وأمرنا ببثّه وتعليمه ، ولا قدرة لنا على كون أتباعنا موفّقين . وكان يقول : كرامات الأولياء نتائج معجزات نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلم ، وطريقتنا هذه أخذناها عن أبي يعزى بسنده عن الجنيد عن سري السقطي عن حبيب العجمي بالسند إلى ربّ العزّة جلّ جلاله . وعن العارف عبد الرحيم المغربي قال : سمعت سيدي أبا مدين يقول : أوقفني ربي عزّ وجلّ بين يديه وقال لي : يا شعيب ، ما ذا عن يمينك ؟ قلت : يا ربّ عطاؤك ، قال : وعن شمالك ؟ قلت : يا ربّ قضاؤك ، فقال : يا شعيب ، قد ضاعفت لك هذا ، وغفرت لك هذا ، فطوبى لمن رآك أو رأى من رآك . وعن سيدي أبي العباس المرسي : جلت في ملكوت اللّه تعالى ، فرأيت سيدي أبا مدين متعلّقا بساق العرش وهو يومئذ أشقر أزرق ، فقلت له : وما علومك ؟ وما مقامك ؟ فقال : علومي أحد وسبعون علما ، وأما مقامي فرابع الخلفاء ، ورأس السبعة الأبدال . وسئل ، رضي اللّه عنه ، عمّا خصّه اللّه تعالى به ، فقال : مقامي العبودية ، وعلومي الألوهية ، وصفاتي مستمدّة من الصفات الربّانيّة ، ملأت علومه سرّي وجهري ، وأضاء بنوره
هامش
( 1 ) لا يرعك : لا يفزعك . ( 2 ) بث العلم : انشره على الناس . ( 3 ) الفيافي : جمع فيفاة ، وهي الصحراء .