تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
فيه ، فتجتمع عليه الناس من كل جهة ، وتمرّ به الطيور وهو يتكلّم فتقف تسمع ، وربما مات بعضها ، وكثيرا ما يموت بمجلسه أصحاب الحب ، تخرّج عليه جماعة كثيرة من العلماء والمحدثين وأرباب الأحوال ، وكان شيخه أبو يعزى يثني عليه جميلا ، ويخصّه بين أصحابه بالتعظيم والتبجيل ، قرأ بفاس بعد قدومه من الأندلس على الشيخ الحافظ أبي الحسن بن حرزهم ، وعلى الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن بن غالب . وذكر عنه أنه قال : كنت في أوّل أمري وقراءتي على الشيوخ إذا سمعت تفسير آية أو معنى حديث قنعت به وانصرفت لموضع خال خارج فاس أتّخذه مأوى للعمل بما فتح به عليّ ، فإذا خلوت به تأتيني غزالة تأوي إليّ وتؤنسني ، وكنت أمرّ في طريقي بكلاب القرى المتّصلة بفاس ، فيدورون حولي ، ويبصبصون « 1 » لي ، فبينا أنا يوما بفاس إذا برجل من معارفي بالأندلس سلّم عليّ ، فقلت : وجبت ضيافته ، فبعت ثوبا بعشرة دراهم ، فطلبت الرجل لأدفعها له ، فلم أجده هنالك ، فخلّيتها معي ، وخرجت لخلوتي على عادتي ، فمررت بقريتي ، فتعرّض لي الكلاب ، ومنعوني الجواز ، حتى خرج من القرية من حال بيني وبينهم ، ولمّا وصلت لخلوتي جاءتني الغزالة على عادتها ، فلمّا شمّتني نفرت عني ، وأنكرت عليّ ، فقلت : ما أتي « 2 » عليّ إلّا من أجل هذه الدراهم التي معي ، فرميتها ، فسكنت الغزال ، وعادت لحالها معي ، ولمّا رجعت لفاس جعلت الدراهم معي ، ولقيت الأندلسي ، فدفعتها إليه ، ثم مررت بالقرية في خروجي للخلوة ، فدار بي كلابها وبصبصوا على عادتهم ، وجاءتني الغزالة فشمّتني من مفرقي لقدمي ، وأنست بي كعادتها ، وبقيت كذلك مدّة ، وأخبار سيدي أبي يعزى ترد عليّ ، وكراماته يتداولها الناس وتنقل إليّ ، فملأ قلبي حبّه ؛ فقصدته مع جماعة الفقراء ، فلمّا وصلنا إليه أقبل على الجماعة دوني ، وإذا حضر الطعام منعني من الأكل معهم ، وبقيت كذلك ثلاثة أيام ، فأجهدني الجوع « 3 » ، وتحيّرت من خواطر ترد عليّ ، ثم قلت في نفسي : إذا قام الشيخ من مكانه أمرغ وجهي في المكان ، فقام ، ومرغت وجهي فقمت وأنا لا أبصر شيئا ، وبقيت طول ليلتي باكيا ، فلمّا أصبح دعاني وقرّبني ، فقلت له : يا سيدي ، قد عميت ولا أبصر شيئا ، فمسح بيده على عيني ، فعاد بصري ، ثم مسح على صدري ، فزالت عني تلك الخواطر ، وفقدت ألم الجوع ، وشاهدت في الوقت عجائب من بركاته ، ثم استأذنته في الانصراف بنيّة أداء الفريضة ، فأذن لي ، وقال : ستلقى في
هامش
( 1 ) بصبص الكلب والظبي والبعير : أي حرك ذنبه قصد التملق والأنس . ( 2 ) في ب « ما أوتي » . ( 3 ) أجهدني الجوع : أورثني الجهد والمشقة والتعب .