الأسلحة عن مثل أسنمة المهارى « 1 » ، وتبقر في بطونه عند تدميث الغمائم عن مثل بطون العذارى ، وبها للملك قصور زاهرات اشتملت على المصانع الفائقة ، والصروح الشاهقة ، والبساتين الرائقة ، ممّا زخرفت عروشه ، ونمقت غروسه ، ونوسبت أطواله وعروضه ، فأزرى بالخورنق ، وأخجل الرصافة ، وعبث بالسّدير . وتنصبّ إليها من عل أنهار من ماء غير آسن ، تتجاذبه أيدي المذانب « 2 » والأسراب المكفورة خلالها ، ثم ترسله بالمساجد والمدارس والسقايات بالقصور وعلية الدور والحمامات ، فيفعم الصهاريج ، ويفهق الحياض ، ويسقي ريعه خارجها مغارس الشجر ومنابت الحبّ ، فهي التي سحرت الألباب رواء ، وأصبت النّهى جمالا ، ووجد المادحون فيها المقال فأطالوا وأطابوا ، إلى أن قال : فأنا أنشد ساكنها قول ابن خفاجة لاستحقاقها إياها عندي : [ البسيط ]
ما جنّة الخلد إلّا في منازلكم * وهذه كنت لو خيّرت أختار
لا تتّقوا بعدها أن تدخلوا سقرا * فليس تدخل بعد الجنّة النار « 3 »
وتوسّطت قطرا ذاكور عديدة تعمرها أمشاج البربر والعرب مريعة الجنبات ، منجبة للحيوان والنبات ، كريمة الفلاحة ، زاكية الإصابة ، فربما انتهت في الروح الواحد منها إلى أربعمائة مدّ كبير ، ثم أطال في ذلك ابن خلدون المذكور بما يوقف عليه في الكتاب المذكور .
[ وصف لسان الدين لمدينة تلمسان ]
وممّا ينسب للسان الدين بن الخطيب رحمه اللّه تعالى في وصفها ما صورته : تلمسان مدينة جمعت بين الصحراء والريف ، ووضعت في موضع شريف ، كأنها ملك على رأسه تاجه ، وحواليه من الدوحات حشمه وأعلاجه ، عبّادها يدها وكهفها كفّها ، وزينتها زيانها ، وعينها أعيانها ، هواها المقصور بها فريد ، وهواؤها الممدود صحيح عتيد ، وماؤها برود صريد ، حجبتها أيدي القدرة عن الجنوب ، فلا نحول فيها ولا شحوب ، خزانة زرع ، ومسرح ضرع ، فواكهها عديدة الأنواع ، ومتاجرها فريدة الانتفاع ، وبرانسها رقاق رفاع ، إلّا أنها بسبب حبّ الملوك ، مطمعة للملوك ، ومن أجل جمعها الصّيد في جوف الفرا ، مغلوبة للأمرا ، أهلها ليست عندهم الراحة ، إلّا فيما قبضت عليه الراحة ، ولا فلاحة ، إلّا لمن أقام رسم الفلاحة ، ليس بها لسع العقارب ، إلّا فيما بين الأقارب ، ولا شطارة « 4 » ، إلّا فيمن ارتكب الخطارة ؛ انتهى .
هامش
( 1 ) المهارى : جمع مهرية ، وهي النوق المنسوبة إلى مهرة بن حيدان .
( 2 ) المذانب : جمع مذنب وهو مسيل الماء إلى الأرض ، والجدول الذي يسيل عن الروضة بمائها إلى غيرها .
( 3 ) سقر : من أسماء جهنم .
( 4 ) الشطارة : مصدر شطر ، وشاطر : خبث وأعيا أهله بخبثه .