والنحوي الراعي ، والشيخ الفهامة الشهير يحيى العجيسي شارح الألفيّة وصاحب التآليف ، وغير هؤلاء ممّن يطول تعدادهم ، رحم اللّه تعالى جميعهم !
[ ابن الأحمر يبين أصول ابن الخطيب في كتابه الإحاطة ]
وقد أشار ابن الأحمر حفيد الغني بالله تعالى الذي كان ابن الخطيب وزيرا له ثم انفصل عنه حسبما تقدّم إلى ما يتعلّق بكتاب « الإحاطة » في جملة كلام نصّه : وتلقينا ممّن نثق به أنّ الكاتب المجيد الأصيل حسبا ، البارع أدبا ، أبا عبد اللّه بن جزي وفد على السلطان أبي عنان صاحب المغرب في حدود عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة ، فأكرم جنابه ، وكمل من تقريبه واصطناعه آرابه « 1 » ، فانتدب إلى ذكر وطنه الأندلسي ، وصاح بمن عذله : [ الوافر ]
أيا ويح الشجي من الخلي « 2 »
وبرع غاية البراعة في التاريخ الذي جمعه ، ورفع راية البلاغة لما كلف به ووضعه ، فلم يكن شيء من الكلام إلّا قال الإحسان وأنا معه ، استوعب ما شاء ، وأبدع في كلّ ما نقل سواء كان شعرا أو إنشاء ، لكنّ سابق أجله منع من الإمتاع بمجمله ومفصّله ، وجاءت الحادثة العظمى من وفاة مولانا والد جدّنا أمير المسلمين أبي الحجاج في غرّة شوّال من عام خمسة وخمسين وسبعمائة فعيّن لتعريف صاحب المغرب بالكائنة خاصّ الدولة ورئيس الجملة أبا عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن الخطيب ، فوقف من تاريخ ابن جزي على شاطىء نهر فيّاض ، وانتشق « 3 » من ورقاته أزاهر رياض ، وحمله النظر في بدائعه على أن يأخذ في جمع كتابه المسمى ب « الإحاطة فيما تيسّر من تاريخ غرناطة » ، ووجد لذلك موجبا أغراه بجمعه ، وهو أنّ الشيخ الحجّة الشاعر المفلق أبا إسحاق بن الحاج وفد على الأندلس بعد جوبه الآفاق « 4 » ، وترحّله إلى ما وراء الشام والعراق ، وإعلامه أنه يذهب في بدأة تاريخ مذهب ابن جزي وغيره ، وكان وحيدا في فنون الآداب ، والمساجلة لأعلام الكتّاب ، وبحكم الاتّفاق على أثر وصول ابن الخطيب من الرسالة للسلطان أبي عنان وجد الحاجب الخطير أبا النعيم رضوان قد استولى على وظيفة الحجابة والرياسة وأقنعه بالاسم من ذلك المسمّى ، وبأن وقفه دون طموحه إلى عادته من المرقب الأسمى ، فأنتج الانتباذ من تلك الرياسة الخطيبية أن ألفي الخطبة على جلالة مقدارها ، وتوضّح أنوارها ، في مرتقى إجلالها وإكبارها ، وأخذ في تأليف « الإحاطة » مستدعيا تصحيح
هامش
( 1 ) الآراب : جمع أرب ، وهو الحاجة .
( 2 ) هذا مثل ، يقولون « ويل للشجي من الخلي » ومعناه ويل للحزين المكدود من خالي البال المسرور .
( 3 ) انتشق : شمّ .
( 4 ) جاب الآفاق : قطع النواحي سيرا . ووقع في ب « بعد جوبه في الآفاق » .