يتلقّى هذا النوع من الاستدلال فيما دون الفنّ المشار إليه بالقبول ، ويستنبل « 1 » المهتدي لاستنباطه لما فيه من التبادر للأفهام والتسابق للعقول ، وإذا ثبت أنّ المستدلّ بهذه الأدلّة سالك على سواء سبيل ، ومنتم « 2 » من صحة النظر إلى أكرم قبيل ، فلا خفاء أنّ كتاب « الإحاطة » للشيخ الرئيس ذي الوزارتين أبي عبد اللّه بن الخطيب - رحمه اللّه تعالى ! - من أثر هذه الدولة النّصرية أدامها اللّه تعالى بكل اعتبار ، ومآثرها التي هي عبرة لأولي الألباب وذكرى لذوي الأبصار ، أما الأول فلأنّ الأنباء التي أظهرت بهجتها ، وأوضحت حجّتها ، وشرفت مقصدها ، وكرمت مصعدها ، إنما هي مناقب ملوكها الكرام ، ومكارم خلفائها الأعلام ، أو أخبار من اشتملت عليه دولتهم الشريفة من صدور حملة السيوف والأقلام ، وأفذاذ حفظة الدّين والدنيا ، والشرف والعليا ، والملك والإسلام ، أو ما يرجع إلى مفاخر حضرة الملك ، وينتظم نظم الجمان في ذلك السلك ، من حصانة قلعتها ، وأصالة منعتها ، وقديم اختطاطها ، وكريم جهادها ورباطها وحسن ترتيبها ووضعها ، وما اشتمل عليه من مقاصد الأنس آهل ربعها « 3 » ، وما سوى هذه الأقسام الثلاثة فمن قبيل القليل ، وممّا يرجع إلى شرف الحضرة ممّن انتابها « 4 » من أهل الفضل الواضح والمجد الأثيل « 5 » ، وأمّا ثانيا فإن راسم آياتها المتلوّة ، ومبدع محاسنها المجلوّة ، وناقل صورتها من الفعل إلى القوّة ، إنما هو حسنة من حسنات هذه الدولة النّصرية الكريمة ، ونشأة من نشآت جودها الشامل النعمة الهامل الدّيمة « 6 » ، فما ظهر عليه من كمالات الأوصاف ، على الإنصاف ، فأخلاف « 7 » هذه المكارم النصرية أرضعته ، وعناياتها الجميلة أسمته فوق الكواكب ورفعته ، وإليها ينسب إحسانه إن انتسب ، ومن كريم تشريفها اكتسب ، والحضرة هي منشؤه الذي عظم فيه قدره ، بل أفقه الذي أشرق فيه بدره ، والتشريفات السلطانية التي فتقت اللّها باللّها « 8 » ، واحتلّت « 9 » من مراقي العزّ فوق السها ، وأمكنت الأيدي من الذخائر والأعلاق ، وطوّقت المنن كالقلائد في
هامش
( 1 ) يستنبل : يصير نبيلا .
( 2 ) منتم : منتسب .
( 3 ) الربع : المنزل . وآهل : عامر بأهله وسكانه .
( 4 ) انتابها : قصدها .
( 5 ) المجد الأثيل : الراسخ ، الأصيل .
( 6 ) الديمة : المطر الدائم .
( 7 ) الأخلاف للناقة : بمنزلة الثدي للمرأة .
( 8 ) اللها : جمع لهاة ، بفتح اللام : وهي قطعة لحم مدلاة بأقصى الحلق . أما اللهاة ، بالضم : العطايا . ونظير ذلك قول الشاعر :لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما * تجيد العطايا ، واللّها تفتح اللّها( 9 ) في ب « وأحلت » .