وأبدى بها ضلالها ، فعظمت به المحنة ، وكمنت له في كل نفس إحنه « 1 » ، وما زال يتدرّج فيها وينتقل ، حتى عثر وما كاد يستقل ، فمرّ لا يلوي على تلك النواحي ، وفرّ لا ينثني إلى لوائم ولواحي ، وما زال يركب الأهواء ويخوضها ، ويذلّل النفس بها ويروضها ، حتى أسمحت ببعض الإسماح ، وكفّت عن ذلك الجماح ، واستقرّ عند أبي مالك فآواه ، ومهّد له مثواه ، وجعله في جملة من اختصّ من المبطلين ، واستخلص من المعطلين ، فكثيرا ما يصطفيهم ، ولا يدري أيدّخرهم أم يقتنيهم ، وقد أثبتّ له ما يبهر سامعا ، ويظهر برقا لامعا ، فمن ذلك قوله : [ الطويل ]
أحنّ إلى ريح الشمال فإنها * تذكرنا نجدا وما ذكرنا نجدا
تمرّ على ربع أقام به الهوى * وبدّل من أهليه جاثمة ربدا
فيا ليت شعري هل تقضّى لبانة * فأرتشف اللّميا وأعتنق القدّا « 2 »
خليليّ ، لا واللّه ما أحمل الهوى * وإن كنت في غير الهوى رجلا جلدا
وقوله أيضا : [ الطويل ]
سل الركب عن نجد فإنّ تحيّة * لساكن نجد قد تحمّلها الركب
وإلّا فما بال المطيّ على الوجى * خفافا وما للريح مرجعها رطب
وقوله أيضا : [ الطويل ]
إذا ارتحلت غربيّة فاعرضا لها * فبالغرب من نهوى له البلد الغربا
لقد ساءنا أنّا بعيد وأننا * بأرضين شتّى لا مزارا ولا قربا
يفجّعنا إمّا بعاد مبرّح * وإمّا أمور باعثات لنا كربا
ظعنّا على حكم الليالي وخطبها * فيا ليت لم ندر الليالي ولا الخطبا « 3 »
وكنت أرجّي الدهر بعد الذي مضى * ديارا وقربا والأصادق والصحبا
أحقّا يسير الركب لم ترتحل بنا * إليك ولم تحد الحداة لنا ركبا « 4 »
وقوله أيضا : [ الطويل ]
لقد هيّج النيران يا أمّ مالك * بتدمير ذكرى ساعدتها المدامع
هامش
( 1 ) كمنت : استترت . والإحنة : الحقد والضغينة .
( 2 ) اللبانة : الحاجة والوطر . واللميا : الأصل لمياء أي سمراء وحذف الهمزة لضرورة الوزن .
( 3 ) ظعنّا : ارتحلنا .
( 4 ) الحداة : جمع حادي ، وهو سائق النوق والمغني لها .