أمنبر ذاك أم قضيب * يفرعه مصقع خطيب
يختال في بردتي شباب * لم يتوضّح بها مشيب
كأنما ضمّخت عليه * أبراده مسكة وطيب
أخرس لكنه فصيح * أبله لكنه لبيب
جهم على أنه وسيم * صعب على أنه أريب
[ من ترجمة أبي الحسن البرقي ]
أبو الحسن البرقي :
بلنسي الدار ، نفيسيّ المقدار ، ما سمعت له بشرف ، ولا علمت له بسلف ، ولا اطّلعت منه على غير سرف ، ورد إشبيلية سنة تسع وتسعين وأربعمائة ، واتّصل بابن زهر ، فناهيك من حظّ في أكنافه « 1 » جال ، ومن لحظ فيما أراده أجال ، ومن أمل استوفر ، وحظّ مسك أذفر ، ومن وجه جاه له أسفر ، سلك به ساحة الرغائب ، وتملك بسببه إباحة الحاضر والغائب ، وقال فما نبذت مقالته « 2 » ، وأقال فما قيّدت إقالته ، وكان حلو المجالسة ، مجلوّ المؤانسة ، ذا نشب وافر ، ومذهب في المساهمة سافر « 3 » ، إلّا أنه كان كلفا بالفتيان ، معنّى بهم في كل الأحيان ، ونيّف على السبعين وهو برداء الصبوة مرتدّ ، وبعترها معتدّ ، مع أدب زهرته ترفّ ، وكأنه بحر والألباب منه تغترف ، وقد أثبتّ له بعض ما وجدت له في الغلمان ، وأنشدت له في تلك الأزمان ، فمن ذلك قوله رحمه اللّه تعالى : [ الخفيف ]
إن ذكرت العقيق هاجك شوق * ربّ شوق يهيجه الادّكار
يا خليليّ حدثاني عن الرك * ب سحيرا أأنجدوا أم أغاروا « 4 »
شغلونا عن الوداع وولّوا * ما عليهم لو ودّعوا ثم ساروا
أنا أهواهم على كلّ حال * عدلوا في هواهم أم جاروا
وعلق بإشبيلية فتى يعرف بابن المكر ، وبات من حبّه طريحا بين أيدي الوساوس والفكر ، لا يمشي إلّا صبّا ، ولا يفشي إلّا غراما وحبّا ، وما زال يقاسي لوعته ، مقاساة يناجي بها صرعته ، ويكابد جواه ، ويلازم هواه ، حتى اكتسى خدّه بالعذار ، وانمحت عنه بهجة آذار ،
هامش
( 1 ) الأكناف : جمع كنف ، وهو الناحية والجانب . وجال : تحرك .
( 2 ) نبذت - بالبناء للمجهول - طرحت .
( 3 ) سافر : أراد واضح ظاهر .
( 4 ) أنجدوا : أتوا نجدا ، وأغاروا : أتوا الغور .