فسلا من كلفه ، وتصدّى ذلك لمواصلته بصلته « 1 » ، فقال : [ الكامل ]
الآن لمّا صوّحت وجناته * شوكا وأضحت سلوة العشاق « 2 »
واستوحشت منه المحاسن واكتست * أنوار وجهك واهن الأخلاق
أمسيت تبذل لي الوصال تصنّعا * خلق اللئيم وشيمة المذّاق
هلّا وصلت إذ الشمائل قهوة * وإذ المحيّا روضة الأحداق
يا كم أطلت غرام قلب موجع * كم قد ألبّ إليك بالأشواق
ما كنت إلّا البدر ليلة تمّه * حتى قضت لك ليلة بمحاق
لاح العذار فقلت وجد نازح * إنّ ابن داية مؤذن بفراق
وله فيه مناقضا لذلك الغرض ، معارضا للوعة سلوه الذي كان عرض : [ الطويل ]
يلومون في ظبي تزايد حسنه * بخطّين خطّا لوعتي وغراميا
وقد كنت أهوى خدّه وهو عاطل * فكيف وقد أضحى لعيني حاليا « 3 »
وله أيضا في مثله : [ الوافر ]
أجيل الطّرف في خدّ نضير * يردّد ناظري نظري إليه
إذا رمدت بحمرته جفوني * شفاها منه إثمد عارضيه « 4 »
[ من ترجمة أبي الحسن علي بن جودي ]
أبو الحسن علي بن جودي :
برّز في الفهم ، وأحرز منه أوفر سهم ، وعانى العلوم بقريحة ذكيّة ، وواخى بنفس في المعارف زكية ، وله أدب واسع مداه ، يانع كالروض بلّله نداه ، ونظم أرقّ من دمع العاني ، ولطيف المعاني ، وأعبق من نفس الخمائل ، في أكفّ الصّبا والشمائل ، ونثر كالزهر المطلول « 5 » أو السلك المحلول ، إلّا أنه سها فأسرف ، وزها بما لا يعرف ، وتصدى « 6 » إلى الدين بالافتراء ، ولم يراقب اللّه تعالى في ذلك الاجتراء ، واشتهرت عنه في ذلك أقوال سدّد إلى الملّة نصالها ،
هامش
( 1 ) في ب « بصلفه » .
( 2 ) صوح : جف ويبس . وهنا أراد أن وجناته نبت فيها الشعر .
( 3 ) الخد العاطل : الخالي من الحلي .
( 4 ) الرمد : مرض في العيون . والإثمد : الكحل .
( 5 ) المطلول : الذي نزل عليه الطل : وهو الندى في الصباح .
( 6 ) تصدى : تعرض .