المتنبي واستشرف ، ورأى أنّ لقياه فائدة يكتسبها ، وحلّة فخر لا يحتسبها ، فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص ، ففاوضه قليلا ، ثم قال : أنشدني لمليح الأندلس ، يعني ابن عبد ربه ، فأنشده : [ الكامل ]
يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا * ورشا بتقطيع القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * درّا يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه * أبصرت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطّع خصره من رقّة * ما بال قلبك لا يكون رقيقا
فلمّا أكمل إنشادها استعادها منه ، وقال : يا ابن عبد ربه ، لقد تأتيك العراق حبوا .
وله أيضا : [ الكامل ]
ومعذّر نقش الجمال بخطّه * خدّا له بدم القلوب مضرّجا « 1 »
لمّا تيقّن أنّ سيف جفونه * من نرجس جعل النّجاد بنفسجا
وله أيضا : [ الطويل ]
وساحبة فضل الذّيول كأنها * قضيب من الريحان فوق كثيب
إذا ما بدت من ثغرها قال صاحبي * أطعني وخذ من وصلها بنصيب
وله أيضا : [ الرمل ]
هيّج الشوق دواعي سقمي * وكسا الجسم ثياب الألم
أيها البين أقلني مرّة * فإذا عدت فقد حلّ دمي
يا خليّ الروع نم في غبطة * إنّ من فارقته لم ينم « 2 »
ولقد هاج بجسمي سقما * حبّ من لو شاء داوى سقمي
وبلغ سنّ عوف بن محلّم « 3 » ، واعترف بذلك اعتراف متألّم ، عندما وهت شدّته « 4 » ، وبليت جدّته ، وهو آخر شعر قال ، ثم عثر في أذيال الردى وما استقال : [ الطويل ]
هامش
( 1 ) المعذر : الذي نبت عذاره ، أي شعر وجهه مما يلي الأذن .
( 2 ) في ب « يا خلي الذرع نم في غبطة » والذرع : الصدر .
( 3 ) هو عوف بن محلم ، خزاعي ، شيباني ، بلغ الثمانين ، وهو الذي يقول في مدحة مدح بها عبد اللّه بن طاهر :إن الثمانين وبلغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان( 4 ) وهت شدته : ضعفت قوته .