إني إذا حضرتني ألف محبرة * يكتبن حدّثني طورا وأخبرني
نادت بمفخري الأقلام معلنة * هذي المفاخر لا قعبان من لبن « 1 »
وكتب إلى ذي الوزارتين أبي الوليد بن زيدون : [ البسيط ]
أبا الوليد وما شطّت بنا الدار * وقلّ منّا ومنك اليوم زوّار
وبيننا كلّ ما تدريه من ذمم * وللصّبا ورق خضر وأنوار
وكلّ عتب وإعتاب جرى فله * بدائع حلوة عندي وآثار
فاذكر أخاك بخير كلّما لعبت * به الليالي فإنّ الدهر دوّار
[ من ترجمة الفقيه أبي عمر أحمد بن عبد ربه صاحب العقد الفريد ]
وقال في ترجمة صاحب العقد الفقيه العالم أبي عمر أحمد بن عبد ربه :
عالم ساد بالعلم ورأس ، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس ، وشهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره ، واستطار شرر الذكاء فكره ، وكانت له عناية بالعلم وثقة ، ورواية له متّسقة ، وأمّا الأدب فهو - كان - حجّته ، وبه غمرت الأفهام لجّته ، مع صيانة وورع ، وديانة ورد ماءها فكرع ، وله التأليف المشهور الذي سماه ب « العقد » ، وحماه عن عثرات النقد ؛ لأنه أبرزه مثقّف القناة « 2 » ، مرهف الشّباة « 3 » ، تقصر عنه ثواقب الألباب ، وتبصر السحر منه في كل باب ، وله شعر انتهى منتهاه ، وتجاوز سماك الإحسان وسماه .
أخبرني ابن حزم أنه مرّ بقصر من قصور قرطبة لبعض الرؤساء فسمع منه غناء أذهب لبّه ، وألهب قلبه ، فبينما هو واقف تحت القصر إذ رشّ بماء من أعاليه ، فاستدعى رقعة ، وكتب إلى صاحب القصر بهذه القطعة : [ البسيط ]
يا من يضنّ بصوت الطائر الغرد * ما كنت أحسب هذا الضّنّ في أحد « 4 »
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة * أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد
فلا تضنّ على سمعي ومنّ به * صوتا يجول مجال الروح في الجسد
هامش
( 1 ) عجز هذا البيت من قول أبي الصلت يمدح ذا يزن :هذه المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالاوالأبوال : جمع بول وأراد المصل .
( 2 ) مثقف : اسم مفعول من ثقف الرمح : قومه وسواه . والمثقف هو السيف في عرف الشعراء .
والقناة : الرمح .
( 3 ) مرهف : محدد ، رقيق . والشباة : طرف السنان .
( 4 ) الضن : البخل .