تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
إذ دهاني اعتراض خطب ثناني * عن غمام يشفي الغليل بمائه
فتدلّهت وانزويت حياء * منه والعذر واضح لسنائه « 1 »
وله فصل كتب به عن الأمير إبراهيم يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة خمس عشرة وخمسمائة : وفي الساعة الثانية من يوم الجمعة كان جوازه - أيّده اللّه تعالى ! - من مرسى جزيرة طريف على بحر ساكن قد ذلّ بعد استصعابه ، وسهل بعد أن أرى الشامخ « 2 » من هضابه ، وصار حيّه ميتا ، وهذره صمتا ، وجباله لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، وضعف تعاطيه ، وعقد السلم بين موجه وشاطيه ، فعبر آمنا من لهواته ، متملّكا لصهواته ، على جواد يقطع الجوّ سبحا ، ويكاد يسبق البرق لمحا ، لم يحمل لجاما ولا سرجا ، ولا عهد غير اللجّة الخضراء مرجا ، عنانه في رجله ، وهدب العين يحكي بعض شكله ، فللّه هو من جواد ، له جسم وليس له فؤاد ، يخرق الهوى ولا يرهبه ، ويركض الماء ولا يشربه .

[ من ترجمة أبي مروان الطبني ]

وقال في ترجمة الفقيه أبي مروان عبد الملك بن زيادة اللّه الطبني ، ما نصّه : « من ثنيّة شرف وحسب ، ومن أهل حديث وأدب ، إمام في اللغة متقدّم ، فارع لرتب الشّعر متسنّم ، له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق ، ثم عاد وقد توّج بالمعارف المفرق ، وأقام بقرطبة علما من أعلامها ، ومتسنّما لترفّعها وإعظامها ، تؤثره الدّول ، وتصطفيه أملاكها الأول ، ما زال فيها مقيما ، ولا برح عن طريق أحانيها « 3 » مستقيما ، إلى أن أغتيل في إحدى الليالي بقضية يطول شرحها فأصبح مقتولا في فراشه ، مذهولا كلّ أحد من انبساط الضرب إليه على انكماشه ، وقد أثبتّ من محاسنه ما يعجب السامع ، وتصغي إليه المسامع ، فمن ذلك قوله : [ الطويل ]
وضاعف ما بالقلب يوم رحيلهم * على ما به منهم حنين الأباعر
وأصبر عن أحباب قلب ترحّلوا * ألا إنّ قلبي سائر غير صابر
ولمّا رجع إلى قرطبة وجلس ليرى ما احتقبه من العلوم ، اجتمع إليه في المجلس خلق عظيم ، فلمّا رأى تلك الكثرة ، وماله عندهم من الأثرة « 4 » ، قال : [ البسيط ]
هامش
( 1 ) تدله : تحير ، وأخذته الدهشة ، وانزوى : انقبض . والسنا : الرفعة ، والسنى بالقصر ، وهو المعنى المقصود : الضوء . ( 2 ) في ب « رأى الشامخ » . ( 3 ) في ب « عن طريق أمانيها » . ( 4 ) من الأثرة : من التفضيل .