تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
كان له ببني قاسم تعلق ، وفي سماء دولتهم تألّق ، فلمّا خوت نجومهم ، وعفت رسومهم ، انحطّ عن ذلك الخصوص ، وسقط سقوط الطائر المقصوص ، وتصرّف بين وجود وعدم ، وتحرّف قاعدا حينا وحينا على قدم ، وفي خلال حاليه ، وأثناء انتحاله ، لم يدع حظه من الحبيب ، ولا ثنى لحظه عن الغزال الربيب ، ولم يزل يطير ويقع ، والدهر يخرق حاله ويرقع ، إلى أن أرقاه الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين رحمه اللّه تعالى أعلى ربوة ، وأراه أبهى حظوة ، فأدرك عنده رتبة أعلام التحبير والإنشاء ، وترك الدهر قلق الحشا ، وتسنّم منزلة لا يتسنّمها إلّا من تطهّر من درنه ، وجمح إحسانه في ميدان حرنه ، والحظوظ أقسام لا تسام ، والدنيا إنارة وإعتام : [ الوافر ]
ولو لم يعل إلّا ذو محلّ * تعالى الجيش وانحطّ القتام « 1 »
وقد أثبتّ عنه بعض ما انتقيته ، والذي أخذته مباين لما أبقيته ، فمن ذلك قوله : [ مجزوء الكامل ]
يا ويح أجسام الأنا * م فما تطيق من الأذى
خلقت لتقوى بالغذا * ء وسقمها ذاك الغذا
وتنال أيام السلا * مة بالحياة تلذّذا
فإذا انقضى زمن الصّبا * ورمى المشيب فأنفذا
وجد السقام إلى المفا * صل والجوانح منفذا
ويقول مهما يعط شي * ئا ناولوني غير ذا
وحذا في هذه القصيدة حذو الصابي في قوله : [ مجزوء الكامل ]
وجع المفاصل وهو أي * سر ما لقيت من الأذى
ردّ الذي استحسنته * والناس من حظّي كذا
والعمر مثل الكاس ير * سب في أواخره القذى
وله يعتذر عن زيارة اعتمدها ، ومواصلة اعتقدها ، فعاقته عنها حوادث لوته ، وعدته عن ذلك وثنته : [ الخفيف ]
بينما كنت راجيا للقائه * والتشفّي بالبشر من تلقائه
وترقبت من سماء نزاعي * قمر الأنس طالعا من سمائه
هامش
( 1 ) القتام : الغبار الأسود .