المعتصم بخلاصه ، وبقي مستقرّا بعراصه ، إلى أن أخلوها ومضوا لطلبة ما نووها ، فنجا أخوه إلى حيث ذكرنا من بلاد الناصر ولجأ هو إلى أحد المرابطين لأذمّة « 1 » كانت بينهما وأواصر « 2 » ، وأقام معه سمير لهوه ، وأمير سهوه ، إلى أن انقرض أمده ، وطواه سروره لا كمده « 3 » ، فلم ير إلّا خالعا لعذاره ، طالعا في ثنيّات اغتراره ، غير مكترث باتّضاعه ، ولا منحرف عن ارتشاف الغيّ وارتضاعه ، وبدا منه في هذه الحال ندى كاثر به السحاب ، وظاهر بسببه الصّحاب ، وتخدّم الأوطار ، وتقدم لذوي الرتب فيها والأخطار ، حسنا « 4 » من ذكره ، وأولع الألسن بشكره ، فارتفع عنه الكدح ، وشفع له في الذمّ ذلك المدح ، وكان نظمه بديع الوصف ، رفيع الرّصف ، وقد أثبتّ له ما يشهد بإجادته وإحسانه ، شهادة الروض بجود نيسانه .
أخبرني ابن القطان أنه ساير الأمير يحيى بن أبي بكر إلى طليطلة في جيوش فاضت سيلا ، وخاضت المطايا قتامها ليلا ، وكان ملكا لم يعقد على مثله لواء ، ولم يحتو على شبه حواء ، جمال محيّا ، وكمال عليا ، وحسن شيم ، وبعد همم ، أغنى العفاة « 5 » ، وأحيا الرفات ، وألغى الأجواد ، وأنسى كعب بن مامة وابن أبي دواد ، فلمّا شارف طليطلة وكشفها ، واشتفّ بلالتها وارتشفها ، وضرب بكنفها مضاربه ، وأجال بساحتها زنجه وأعاربه ، سقط أحد ألويته عن يد حامله ، وانكسر عند عامله ، فطائفة تفاءلت ، وطائفة تطيّرت ، وفرقة ابتهجت ، وأخرى تغيّرت ، فقال : [ الكامل ]
لم ينكسر عود اللّواء لطيرة * يخشى عليك بها وأن تتأوّلا
لكن تحقّق أنه يندقّ في * نحر العدا ولدى الوغى فتعجّلا
وأخبرني أخوه رفيع الدولة أنّ ابن اللبانة كتب إليه والخلع قد نضا لبوسه ، وقصر بوسه ، وكدر صفاءه ، وعذر وفاءه ، وطوى ميدان جوده ، وأذوى أفنان وجوده ، قوله : [ البسيط ]
يا ذا الذي هزّ أمداحي بحليته * وعزّه أن يهزّ المجد والكرما
واديك لا زرع فيه اليوم تبذله * فخذ عليه لأيام المنى سلما « 6 »
هامش
( 1 ) الأذمة : جمع ذمام ، وهو العهد .
( 2 ) الأواصر : جمع آصرة ، وهي كل ما يربطك بغيرك من قرابة أو صداقة .
( 3 ) الكمد : الحزن .
( 4 ) في ب « تقدما حسّن من ذكره » .
( 5 ) العفاة : طالبو المعروف .
( 6 ) السّلم : السلف ، وعند الفقهاء : أن تعطي غيرك مالا على أن يسلمك بعد مدة سلعة محددة الأوصاف منعا للمنازعة .