تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥

[ من ترجمة أبي مروان عبد اللّه بن المعتصم بن صمادح ]

وقال - سامحه اللّه تعالى ! - بعد ترجمة السلطان بالمرية المعتصم بن صمادح ما نصّه : ابنه عزّ الدولة أبو مروان عبد اللّه ، فتى الراح المعاقر لدنانها ، المهتصر لأغصان « 1 » الفتوة وأفنانها ، المهجّر لفلاة الظّباء والآرام ، المشتهر في باب الصّبابة والغرام ، نشأ في حجر أبيه نديم قهوه « 2 » ، ومديم صبوه ، وخديم شهوة ، لا يريم كأسا ، ولا يروم إلّا اقتضاء وانتكاسا ، ما شهد قتلا ولا قتالا ، ولا تقلّد صارما إلّا مختالا ، قد أمن منه جنان الجبان ، وعدّت له غصون البان ، وما زال مرتضعا لأخلاف البطالة ، مقتطعا ما شاء من إطاله ، متوغّلا في شعاب الفتّاك ، متغلغلا في طريق الانتهاك ، إلى أن وجّهه أبوه إلى أمير المسلمين سفيرا عندما بدت له وجوه الفتنة تسفر ، ومعاهد الهدنة تقفر ، مع أكامل أصحبهم نقصانه ، وذوي أديان جعلهم خلصانه ، يسمعون بوادر بذاذته ، وينظرون مناكر لذاذاته ، فآلت سفرته إلى الاعتقال ، وقصرت نخوته ما بين قيد وعقال ، فجاء كالمهر لا يعرف لجاما ، وصار حبيس قوم لا يألونه استعجاما ، وحين شالت نعامته ، وسالت عليه ظلامته ، كتب إلى أبيه : [ المتقارب ]
أبعد السنا والمعالي خمول * وبعد ركوب المذاكي كبول « 3 »
ومن بعد ما كنت حرّا عزيزا * أنا اليوم عبد أسير ذليل
حللت رسولا بغرناطة * فحلّ بها فيّ خطب جليل
وثقّفت إذ جئتها مرسلا * وقبلي كان يعزّ الرسول
فقدت المرية أكرم بها * فما للوصول إليها سبيل
فراجعه أبوه بقطعة منها : [ المتقارب ]
عزيز عليّ ونوحي دليل * على ما أقاسي ودمعي يسيل
وقطّعت البيض أغمادها * وشقّت بنود وناحت طبول « 4 »
لئن كنت يعقوب في حزنه * ويوسف أنت فصبر جميل
ولم يزل يتحيّل في تخلّصه ، وأخذه من يد مقتنصه ، فسرق وحرّاسه منه بمكان السلك من النحر ، وطرق به على ثبج البحر ، فوافى المريّة ، وقد أخذ البحث عليه آفاق البريّة ، فهنىء
هامش
( 1 ) المهتصر : تقول : هصر الأسد فريسته إذا هجم عليها بقوة ، وكسرها بأنيابه . ( 2 ) القهوة : الخمر . ( 3 ) المذاكي : الخيل . والكبول : جمع كبل بفتح الكاف وكسرها وسكون الباء ، وهو القيد ، والكبول : القيود . ( 4 ) البيض : السيوف ، واحدها : أبيض . والبنود : الأعلام ، واحدها : بند .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 235 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي