تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وليعلم أنه زاجره عن الجور وناهيه ، وسائله عمّا حكم به وقضاه ، وأنفذه وأمضاه
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
[ سورة الانفطار ، الآية : 19 ] فليتقدم إلى ذلك بحزم لا يخمد توقّده ، وعزم لا ينفد تفقّده ، ونفس مع الخير ذاهبة وعلى متن البرّ والتقوى راكبة ، ويقدّم للاحتراس من عرف اجتهاده ، وعلم أرقه في البحث وسهاده ، وحمدت أعماله ، وأمن تفريطه وإهماله ، ويضمّ إليهم من يحذو حذوهم ، ويقفو شأوهم ، ممّن لا يستراب بمناحيه ، ولا يصاب خلل في ناحية من نواحيه ، وأن يذكي العيون على الجناة ، وينفي عنها لذيذ السّنات « 1 » ، ويفحص عن مكامنهم ، حتى يغصّ بالريق نفس آمنهم ، فلا يستقرّ بهم موضع ، ولا يفر منهم خبّ « 2 » ولا موضع ، فإذا ظفر منهم بمن ظفر بحث عن باطنه ، وبثّ السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه ، فإن لاحت شبهة أبداها الكشف والاستبراء ، وتعدّاها البغي والافتراء ، نكّله « 3 » بالعقوبة أشدّ نكال ، وأوضح له منها ما كان ذا إشكال ، بعد أن يبلغ أناه ، ويقف في طرفه مداه ، وحدّ له أن لا يكشف بشرة إلّا في حدّ يتعين ، وإن جاءه فاسق أن يتبيّن ، وأن لا يطمع في صاحب مال موفور ، وأن لا يسمع من مكشوف في مستور ، وأن يسلك السّنن المحمود ، وينزّه عقوبته من الإفراط وعفوه من تعطيل الحدود . وإذا انتهت إليه قصة مشكلة أخّرها إلى غده ، فهو على العقاب أقدر منه على ردّه ، فقد يتبين في وقت ما لا يتبيّن في وقت ، والمعاجلة بالعقوبة من المقت ، وأن يتغمّد هفوات ، ذوي الهيئات ، وأن يستشعر الإشفاق ، ويخلع التكبّر فإنه من ملابس « 4 » أهل النفاق ، وليحسن لعباد اللّه تعالى اعتقاده ، ولا يرفض زمام العدل ولا مقاده ، وأن يعاقب المجرم قدر زلّته ، ولا يعتزّ عند ذلّته ، وليعلم أنّ الشيطان أغواه ، وزيّن له مثواه ، فيشفق « 5 » من عثاره ، وسوء آثاره ، وليشكر اللّه تعالى على ما وهبه من العافية ، وألبسه من ملابسها الضافية ، ويذكره جلّ وعلا في جميع أحواله ، ويفكّر في الحشر وأهواله ، ويتذكّر وعدا ينجز فيه ووعيدا
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
[ سورة آل عمران ، الآية : 30 ] والأمير أيّده اللّه تعالى ولي له ما عدل وأقسط ، وبرئ منه إن جار وقسط ، فمن قرأه فليقف عند حدّه ورسمه ، وليعرف له حقّ قطع الشّرّ وحسمه ، ومن وافقه من شريف أو مشروف ، وخالفه في نهي عن منكر أو أمر بمعروف ، فقد
هامش
( 1 ) السنات : جمع سنة وهي أول النوم ، وفي التنزيل العزيز :اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ[ البقرة : 255 ] . ( 2 ) الخب والموضع : اسما فاعل وهما ضربان من السير السريع للفرس . ( 3 ) التنكيل : التقييد ، والنكل : القيد وأراد التعذيب . ( 4 ) في ب « فإنه ملابس أهل النفاق » . ( 5 ) في ب « فليشفق » .