تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
وحكى غير واحد أنه مات له سكن كان يهواه ، فبات مع بعض أصحابه عند ضريحه ومثواه ، وكان قد عرف وقت كسوف البدر بصناعة التعديل ، فزوّر في نفسه بيتين في خطاب القمر أتقنهما ولحّنهما ، حتى إذا كان قبيل وقت الكسوف بقليل تغنّى فيهما بذلك الصوت المشجي ، واللحن يسوق الشوق ويزجي ، وهما : [ المتقارب ]
شقيقك غيّب في لحده * وتشرق يا بدر من بعده
فهلا كسفت فكان الكسوف * حدادا لبست على فقده
فكسف القمر في الحال ، وعدّت هذه من نوادره التي جيد الأخبار بفرائدها حال ، سامحه اللّه تعالى ! . .

[ ترجمة أبي بكر بن باجة آخر فلاسفة الإسلام ببلاد الأندلس ( ابن الصائغ ) ]

ثم رأيت في « الإحاطة » نسبة ذلك لغيره ونصّه : محمد بن أحمد بن الحداد ، الوادي آشي ، يكنى أبا عبد اللّه . حاله : شاعر مفلق ، وأديب شهير ، مشار إليه في التعاليم ، منقطع القرين منها في الموسيقى ، مضطلع بفكّ المعمّى ، سكن المرية ، واشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح . وقال ابن بسّام : كان أبو عبد اللّه هذا شمس « 1 » ظهيرة ، وبحر خبر وسيرة ، وديوان تعاليم مشهورة ، وضح في طريق المعارف وضوح الصّبح المتهلّل ، وضرب فيها بقداح « 2 » ابن مقبل ، إلى جلالة مقطع ، وأصالة منزع ، ترى العلم ينمّ على أشعاره ، ويبيّن في منازعه وآثاره . تأليفه : ديوان شعره كبير معروف ، وله في العروض تصنيف مشهور مزج فيه بين الألحان الموسيقية والآراء الخليلية . بعض أخباره - حدّث بعض المؤرخين ممّا يدلّ على ظرفه أنه فقد سكنا عزيزا عليه ، وأحوجت الحاجة إلى تكلّف سلوة ، فلمّا حضر الندماء ، وكان قد رصد الخسوف القمري ، فلمّا حقّق أنه ابتدأ أخذ العود وغنّى « شقيقك غيّب - إلى آخره » وجعل يردّدها ويخاطب البدر ، فلم يتمّ ذلك إلّا واعترضه الخسوف ، وعظم من الحاضرين التعجّب .
هامش
( 1 ) شمس ظهيرة : كناية عن شهرة أمره ونبوغه . ( 2 ) القداح : جمع قدح وهو كعب الميسر . وابن مقبل هو الشاعر تميم وله في وصف القدح :غدا وهو مجدول ، وراح كأنه * من المس والتقليب في الكلف أفطحخروج من الغمّاء إن صك صكه * بدا والعيون المستكفة تلمح