الاستسلام ، ارتاب بقبح أفعاله ، وبرئ من احتذائه بتلك الآراء وانتعاله ، وأخافه ذنبه ، ونبا عن مضجع الأمن جنبه ، فكرّ إلى الغرب ليتوارى في نواحيه ، ولا يتراءى لعين لائمه ولاحيه ، فلمّا وصل شاطبة حضرة الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين وجد باب نفاذه وهو مبهم ، وعاقه عنه مدلول عليه ملهم ، فاعتقله اعتقالا شفى الدين من آلامه ، وشهد له بعقيدة إسلامه ، وفي ذلك يقول ، وهو معقول ، ويصرّح بمذهبه الفاسد ، وغرضه المستأسد : [ الكامل ]
خفّض عليك فما الزمان وريبه * شيء يدوم ، ولا الحياة تدوم
واذهب بنفس لم تضع لتحلّها * حيث احتللت بها وأنت عليم
يا صاحبي لفظا ومعنى خلته * من قبل حتى بيّن التقسيم
دع عنك من معنى الإخاء ثقيله * وانبذ بذاك العبء وهو ذميم
واسمح وطارحني الحديث فإنه * ليل كأحداث الزمان بهيم
خذني على أثر الزمان فقد مضى * بؤس على أبنائه ونعيم
فعسى أرى ذاك النعيم وربّه * مرح وربّ البؤس وهو سقيم « 1 »
هيهات ساوت بينهم أجداثهم * وتشابه المحسود والمحروم « 2 »
ولما خلص من تلك الحبالة ونجا ، وأنار من سلامته ما كان دجا ، احتال في إخفاء ماله ، واستيفاء آماله ، فأظهر الوفاء للأمير أبي بكر بالرثاء له والتأبين ، وتداهيه في ذلك واضح مستبين ، فإنه وصل بهذه النزعة من الحماية إلى حرم ، وحصل في ذمّة ذلك الكرم ، واشتمل بالرّعي ، وأمن من كلّ سعي ، فاقتنى قيانا « 3 » ، ولقنّهنّ أعاريض من القريض وركّب عليها ألحانا أشجى من النّوح « 4 » ، ولطف بها إلى إشادة الإعلان باللوعة والبوح ، فسلك بها أبدع مسلك ، وأطلعها نيّرات ما لها غير القلوب من فلك ، فمن ذلك قوله : [ المنسرح ]
إنّ غرابا جرى بينهم * جاوبه بالثنيّة الصّرد « 5 »
طاروا فها أنت بعدهم جسد * قد فارق الروح ذلك الجسد
هامش
( 1 ) سقيم : مريض .
( 2 ) الأجداث : جمع جدث ، وهو القبر .
( 3 ) قيان : جمع قينة : الأمة ، المغنية ، الماشطة .
( 4 ) النوح : سجع الحمامة .
( 5 ) الصّرد : طائر مبرقع ضخم الرأس والمنقار ذو مخلب يصطاد صغار العصافير وهو مما يتشاءم به .