لكلّ حجّة قاطع ، تتوّجت بعصره الأعصار ، وتأرّجت من طيب ذكره الأمصار ، وقام وزن « 1 » المعارف واعتدل ، ومال للأفهام فننا وتهدّل ، وعطّل بالبرهان التقليد ، وحقّق بعد عدمه الاختراع والتوليد ، إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق ، وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق ، مع نزاهة النفس وصونها ، وبعد الفساد من كونها ، والتحقيق ، الذي هو للإيمان شقيق ، والجد ، الذي يخلق العمر وهو مستجد ، وله أدب يودّ عطارد أن يلتحفه ، ومذهب يتمنّى المشتري أن يعرفه ، ونظم تعشقه اللبّات والنحور ، وتدّعيه مع نفاسة جوهرها البحور ، وقد أثبتّ منه ما تهوى الأعين النّجل « 2 » أن يكون إثمدها « 3 » ، ويزيل من النفوس حزنها وكمدها ، فمن ذلك قوله يتغزل : [ الطويل ]
أسكان نعمان الأراك تيقّنوا * بأنكم في ربع قلبي سكان
ودوموا على حفظ الوداد فطالما * بلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا
سلوا الليل عني إذ تناءت دياركم * هل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان
وهل جرّدت أسياف برق سمائكم * فكانت لها إلّا جفوني أجفان
وله : [ الطويل ]
أتأذن لي آتي العقيق اليمانيا * أسائله ما للمعالي وما ليا
وهل داركم بالحزن قفراء ؟ إنني * تركت الهوى يقتاد فضل زماميا
فيا مكرع الوادي أما فيك شربة * لقد سال فيك الماء أزرق صافيا « 4 »
ويا شجرات الجزع هل فيك وقفة * وقد فاء فيك الظّلّ أخضر ضافيا « 5 »
وأورد له في « المطمح » أنه استأذن على المستعين بالله ، فوجده محجوبا ، فقال : [ السريع ]
من مبلغ خير إمام نشا * ذا عزّة وساميا قدرا « 6 »
قول امرئ لو قاله للصفا * أنبت فيه ورقا خضرا
عبدك بالباب له خجلة * لو أنها بالنرجس أحمرّا
هامش
( 1 ) في ب « وقام أوان العارف » .
( 2 ) النجل ، بالضم : جمع نجلاء : الواسعة .
( 3 ) الإثمد : الكحل .
( 4 ) المكرع : المكان الذي يكرع منه : أي يشرب .
( 5 ) فاء : عاد ورجع . والضافي : السابغ .
( 6 ) نشا : أصله نشأ ، خفف الهمزة وهو جائز .