تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الوسميّ المبتكر ، وأهدى من النجم في الليل المعتكر ، وألويته تميس زهوا ميس الفتاة « 1 » ، ورعيّته تبتهج بملكه ابتهاج حيي بابن الموماة ، ومذاهبه يبسطها الفضل وينشرها ، وكتائبه لا يكاد العدوّ يعشرها ، فجاش إليه وانبرى ، وراش في تنكيلهم وبرى ، وأقطعهم ما شاء من مقابحته ، وأسمعهم ما يصم بين ختمه ومفاتحته ، فوغرت صدورهم السليمة ، واعتلّت صحّة ضمائرهم بنفوسهم الأليمة ، ولم يزل يأخذ في الإضرار بهم ولم « 2 » يدع ، ويعلن به ويصدع ، حتى تفرّق ذلك الجمع ، وألقاه بين بصر السباب والسمع ، وأفرد الدولة من ولاتها ، وجرّدها من حماتها ، فاستعجل العدوّ بذلك واستشرى ، وزأر منه على سرقسطة ليث شرى ، ولما رأى الشرّ قد ثار قتامه ، وبدا من ليله إعتامه ، ارتحل واحتمل ، وقال « لا ناقة لي في هذا ولا جمل » ، وأقام ببلنسية يشفي نفسه ، ويستوفي أنسه ، ونجوم سعدها كلّ يوم غائرة ، والعدو يتربّص بها أسوأ دائرة ، ويروم منازلتها ثم يدع الاقتحام ، ويريد التقدّم إليها فيؤثر الإحجام ، تهيّبا لذلك الملك السريّ ، والليث الجريّ ، وفي خلال هذه المحاولة ، وأثناء تلك المطاولة ، عاجل الأمير أبا بكر حمامه ، واستسرّ فيها تمامه ، وأجنّه الثرى ، وحاز منه بدر دجنّة وليث شرى ، فعطلت الدنيا من علاء وجود ، وأطلّت عليها بفقده حوادث أجدبت تهائمها والنجود ، وفيه يقول يرثيه بما يسيل الفؤاد نجيعا ، ويبيت به الأسى لسامعه ضجيعا : [ الخفيف ]
أيها الملك قد لعمري نعى المج * د نواعيك يوم قمن فنحنا
كم تقارعت والخطوب إلى أن * غادرتك الخطوب في الترب رهنا
غير أني إذا ذكرتك والده * ر إخال اليقين في ذاك ظنّا
وسألنا متى اللّقاء فقيل ال * حشر قلنا : صبرا إليه وحزنا
وكثيرا ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء ، وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء ، ويأخذها من أربابها أخذ غاصب ، ويعوضهم منها كل همّ ناصب « 3 » ، فهذا ممّا أطال به كمد أبي العلاء وغمّه ، فإنه أخذه من قوله يرثي أمّه : [ الوافر ]
فيا ركب المنون ألا رسول * يبلّغ روحها أرج السلام
سألت متى اللقاء فقيل حتى * يقوم الهامدون من الرجام
ولمّا فاتت سرقسطة من يد الإسلام ، وباتت نفوس المسلمين فرقا منهم « 4 » في يد
هامش
( 1 ) تميس الفتاة : تتمايل وتتبختر . ( 2 ) في ب « ولا يدع » . ( 3 ) هم ناصب : حزن يتعب من ينزل به ويقعده . ( 4 ) الفرق : الخوف .