الحكيم العليم ، ونبذه وراء ظهره ثاني عطفه « 1 » ، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، واقتصر على الهيئة ، وأنكر أن تكون منه « 2 » إلى اللّه تعالى فيئة « 3 » ، وحكم للكواكب بالتدبير ؛ واجترم على اللّه اللطيف الخبير ، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد ، واستهزأ بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
[ سورة القصص ، الآية : 85 ] فهو يعتقد أنّ الزمان دور ، وأنّ الإنسان نبات أو نور ، حمامه تمامه ، واختطافه قطافه ، قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم ، ونسي الرحمن لسانه فما يمرّ له عليه اسم ، وانتمت نفسه إلى الضلال وانتسبت ، ونفت
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ سورة غافر ، الآية : 17 ] ، فقصر عمره على طرب ولهو ، واستشعر كلّ كبر وزهو ، وأقام سوق المويسيقي ، وهام بحادي القطار وسقى ، فهو يعكف على سماع التلاحين ، ويقف عليه كلّ حين ، ويعلن بذلك الاعتقاد ، ولا يؤمن بشيء قادنا إلى اللّه تعالى في أسلس مقاد ، مع منشإ وخيم « 4 » ، ولؤم أصل وحيم وصورة شوّهها اللّه تعالى وقبّحها ، وطلعة إذا أبصرها الكلب نبحها ، وقدار « 5 » يؤذي البلاد نفسها ، ووضارة يحكي الحداد دنسها ، وفند لا يعمر إلّا كنفه ، ولدد لا يقيم « 6 » إلّا الصّعاد جنفه ، وله نظم أجاد فيه بعض إجاده « 7 » ، وشارف الإحسان أو كاده ، فمن ذلك ما قاله في عبد حبشي كان يهواه ، فاشتمل عليه أسر سعى « 8 » حشاه ، ونقله إلى حيث لم يعلم مثواه ، فقال : [ البسيط ]
يا شائقي حيث لا أسطيع أدركه * ولا أقول غدا أغدو فألقاه
أمّا النهار فليلي ضمّ شملته * على الصباح فأولاه كأخراه
أغرّ نفسي بآمال مزوّرة * منها لقاؤك والأيام تأباه
وله فيه حين « 9 » بلغه موته ، وتحقّق عنده فوته : [ الوافر ]
ألا يا رزق والأقدار تجري * بما شاءت نشا أو لا نشاء
هل أنت مطارحي شجوي فتدري * وأدري كيف يحتمل القضاء
يقولون الأمور تكون دورا * وهذا فقده فمتى اللقاء
هامش
( 1 ) أخذ هذه الفقرة من قوله تعالى :ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[ الحج : 9 ] .
( 2 ) في ب « أن تكون له إلى اللّه » .
( 3 ) فيئه : الرجوع .
( 4 ) وخيم : أي رديء .
( 5 ) في ب « وقذارة » .
( 6 ) في ب « لا يقوم » .
( 7 ) في ب « إجادة » .
( 8 ) في ب « سعر » .
( 9 ) في ب « وله فيه لما بلغه » .